يردٍّ على مقال كابتن عادل المفتي معليش… معليش… نحنا عندنا جيش
نقطةإرتكاز دكتور جاد الله فضل المولى

في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، وفي زمنٍ تتكاثر فيه العواصف وتشتد فيه المحن، يطل علينا المقال البديع الذي خطّه الكاتب والمبدع الكابتن الطيار عادل المفتي، ليضع أمامنا مرآةً صافية تعكس جوهر القضية السودانية، قضية الدولة والجيش والوطن. ولأن المقال جاء عميقاً في معناه، صادقاً في نبرته، فإن الرد عليه لا بد أن يليق بمقام الفكرة ويوازي حجم التحدي
إن ما طرحه الكاتب ليس مجرد سردٍ لواقعةٍ في مقهى بعيد، بل هو استدعاءٌ لتجربةٍ إنسانيةٍ مريرة عاشها شعب الصومال حين انهارت مؤسسات الدولة وتفكك جيشها الوطني، فصار المقهى وطناً مؤقتاً، وصارت الغربة قدراً لا مفر منه. ومن هنا، فإن التحذير الذي جاء على لسان ذلك الصومالي لم يكن مجرد نصيحة عابرة، بل كان درساً مكتوباً بدماء وتجارب أمةٍ كاملة، درساً يقول بوضوح: لا وطن بلا جيش، ولا دولة بلا مؤسسات، ولا سيادة بلا قوة تحميها.
لقد أثبتت الأيام أن الشعارات وحدها لا تصنع وطناً، وأن الهتافات مهما علت لا تحمي حدوداً، وأن الخطب مهما زخرفت لا تصون سيادة. الذي يفعل ذلك هو الجيش الوطني، المؤسسة التي تقف حين تتهاوى الكلمات، وتحمي حين تنهار الشعارات، وتبقى حين يرحل كل شيء. ومن هنا، فإن عبارة “معليش معليش… نحنا عندنا جيش” ليست مجرد ردٍّ على شعارٍ سابق، بل هي إعلانٌ صريح بأن السودان لا يزال يملك عموده الفقري، وأنه لم ولن يسقط في هاوية الفوضى.
إن ما يفعله الجيش السوداني اليوم في ميادين القتال، من تحرير المدن وتأمين الطرق الحيوية، ليس مجرد انتصارٍ عسكري، بل هو إعادة رسمٍ لملامح الدولة السودانية، وإعادة تثبيتٍ لركائزها، وإعادة بناءٍ لثقة شعبها في مؤسساتها. فحين ينهض القائد العام للقوات المسلحة ورئيس هيئة الأركان ليقود العمليات بعقليةٍ عسكريةٍ منضبطة، فإنما يرسلان رسالةً للعالم أجمع: أن السودان لا يزال واقفاً، وأن جيشه لا يزال صامداً، وأن مؤسساته لا تزال قادرةً على حماية الوطن.
لقد علّمتنا التجارب أن الأوطان التي تفرّط في مؤسساتها تدفع أثماناً باهظة، وأن الشعوب التي تستهين بجيشها تذوق مرارة المنافي، وأن الدول التي تترك فراغاً في مؤسساتها تفتح الباب لكل طامعٍ ومتربص. ولذلك فإن السودان اليوم أمام خيارٍ واحدٍ لا ثاني له: أن يحافظ على جيشه الوطني، وأن يقوي مؤسساته، وأن يبني دولته على أسسٍ صلبةٍ لا تهزها العواصف.
إن الجيش الذي يحلم به السودانيون ليس جيش حزبٍ ولا جماعةٍ ولا مرحلة، بل هو جيش الدولة، جيش يرفع علم السودان وحده، ويحرس حدوده وسماءه وأرضه، ويؤدي واجبه وفق الدستور، ويكون ملكاً لكل السودانيين. وهذا هو الجيش الذي سيكتب التاريخ اسمه، لا لأنه رفع الشعارات، بل لأنه صان الوطن حين اشتدت المحن.
وستظل هذه العبارة الخالدة “معليش معليش… نحنا عندنا جيش” شاهداً على أن السودان لا يزال يملك مؤسساته، وأنه لا يزال قادراً على حماية نفسه، وأنه لا يزال قادراً على أن ينهض من تحت الركام. وسيأتي اليوم الذي تُطوى فيه صفحة الحرب، وتبقى الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان: أن السودان أكبر من كل خلاف، وأبقى من كل شعار، وأن رايته لا ينبغي أن ترتفع إلا فوق وطنٍ آمنٍ موحدٍ تحرسه مؤسساته الوطنية.
إننا نعلم أن الحرب ستنتهي، وأن السودان سيبقى، وأن التاريخ سيكتب بوضوح من وقف إلى جانبه ومن حاول كسره. والدرس الذي لا يقبل الجدل هو أن الدولة لا تُحمى إلا بجيشٍ وطنيٍ قوي، يصون حدودها وسيادتها، ويجعل كل من يفكر في العبث بأمنها يعيد حساباته ألف مرة قبل أن يقدم على خطوةٍ واحدة. وسيظل الباب مفتوحاً أمام كل من حمل السلاح أن يراجع موقفه، وأن يختار طريق العقل، وأن يعود إلى مسار السلام قبل أن يُغلق باب الفرصة نهائياً.
وفي النهاية، نقولها بوضوح وبلا مجاملة: نحن ما عندنا جيش وبس، نحن عندنا جيش قوي، جيش واقف، جيش له سند من قواتٍ مشتركة، ومقاومةٍ شعبية، وظهرٍ شعبيٍ صلب، وفوق كل ذلك شعبٌ سودانيٌ نهض ووقف مع جيشه بصدق، فلن تستطيع مليشيا أن تكسره، ولا مؤامرة أن تُسقطه، ولا ضغوط خارجية أن تُثنيه. فهذا شعبٌ اتحد، فسيكتب النهاية بيده، وسيصنع مصير وطنه بنفسه.
وسنظل نردد… معليش معليش… نحنا عندنا جيش. وربما يأتي يومٌ ألتقي فيه ذلك الصومالي مرةً أخرى، فأقول له: القوات المسلحة السودانية لم تسقط، ولم ينهار الجيش، بل ثبت وصمد وقاتل واستعاد ما سُلب منه، وبدأت ملامح انتصار الوطن تتشكل، والختام أقرب مما يظن البعض بإذن الله ونصره وتوفيقه. فهذا شعبٌ عانى وتوكل على الله، فسينصره الله لا محالة.
meehad74@gmail.com
الزراعة السودانية: من ضعف الإمكانات إلى أفق التحول الاستراتيجي
Ghariba2013@gmail.com يقف القطاع الزراعي في السودان عند مفترق طرق حرج؛ فبينم…





