‫الرئيسية‬ مقالات السودان… والضمير المستتر
مقالات - ‫‫‫‏‫18 دقيقة مضت‬

السودان… والضمير المستتر

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

في النحو العربي، هناك ضمير لا نراه…لكنه موجود.
لا يُكتب، ولا يُنطق، ولا يظهر في الجملة، لكننا نعرفه من الفعل.
نقول: ذهبَ.
ولا نسأل: من ذهب؟
فالفاعل موجود، وإن لم يظهر.

وفي السودان، يبدو أننا صنعنا لأنفسنا نوعًا آخر من الضمائر المستترة؛ ضميرًا لا يظهر في الجملة السياسية والاجتماعية، لكنه حاضر في كل فعل من أفعال الأزمة.
نقول: اندلعت الحرب.
لكن من أشعلها؟

نقول: حدثت الانتهاكات.
لكن من ارتكبها؟

نقول: نزح الملايين.
لكن من جعل بيوتهم غير آمنة؟

نقول: انهار التعليم.
لكن من جعل طفلًا يعيش سنواته الدراسية تحت ضغط الحرب، ويقرأ عامًا بعد عام دون أن يحصل على حقه الطبيعي في الراحة والاستقرار؟

نقول: تدهور الاقتصاد.
لكن من اتخذ القرارات التي أوصلته إلى هذا الحال؟

نقول: انتشر خطاب الكراهية.
لكن من أنتجه؟ ومن موّله؟ ومن نشره؟ ومن جعله أكثر انتشارًا من خطاب العقل؟
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
فليست كل مسؤولية غائبة لأن الفاعل مجهول؛ بعض المسؤولية غائبة لأننا تعودنا أن نتحدث عنها دون أن نسمي فاعلها.

*حين تصبح اللغة ستار*

> اللغة ليست مجرد وسيلة لوصف الواقع أحيانًا تكون وسيلة لإخفائه.

حين نقول: حدثت الأزمة، فإننا نحول الأزمة إلى شيء يشبه الظاهرة الطبيعية؛ كالمطر أو الزلزال.
وحين نقول: انهارت المؤسسات، ننسى أن المؤسسات لا تنهار وحدها.
وحين نقول: انتشرت الشائعات، ننسى أن الشائعة لا تملك قدمين تمشي بهما، ولا هاتفًا تنشر به نفسها.
وحين نقول: استُخدمت القبيلة في الصراع، ننسى أن هناك من استخدمها.
هذه التحولات الصغيرة في اللغة ليست بريئة دائمًا فحين نُسقط الفاعل من الجملة، نُسقط معه جزءًا من المسؤولية.
وبمرور الوقت، يصبح المجتمع قادرًا على وصف الكارثة بدقة مذهلة، لكنه يصبح أقل قدرة على الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية:
من فعل؟
وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الضمير المستتر من قاعدة نحوية إلى مشكلة سياسية وأخلاقية.

*السودان… بلد يعرف النتائج وينسى الفاعلين*

في الأزمات الكبرى، يصبح الناس أسرى للنتائج.
يرون المدينة المدمرة، ولا يرون سلسلة القرارات التي سبقت تدميرها.
يرون الطفل خارج المدرسة، ولا يرون سنوات الإهمال التي سبقت الحرب.
يرون الفقر، ولا يرون السياسات التي صنعت بيئته.
يرون الهجرة، ولا يسألون لماذا أصبح الوطن أقل قدرة على إقناع أبنائه بالبقاء.
يرون الانقسام الاجتماعي، ولا يتوقفون طويلًا أمام القوى التي استثمرت فيه.
وهكذا تتحول النتيجة إلى بطل القصة، ويختفي الفاعل خلف الستار.
لكن التاريخ لا يُكتب بالنتائج وحدها.
التاريخ يسأل دائمًا:

من فعل؟
ولماذا فعل؟
وكيف استطاع أن يفعل؟
ومن سمح له أن يفعل؟
ومن استفاد من فعله؟
هذه الأسئلة ليست رغبة في الانتقام إنها شروط لفهم الحقيقة
لأن المجتمع الذي لا يستطيع تحديد أسباب أزمته، لن يستطيع بناء طريق حقيقي للخروج منها.

*الضمير المستتر لا يعني دائمًا شخصًا*

ربما هنا نحتاج إلى قدر أكبر من الدقة فالفاعل ليس بالضرورة فردًا واحدًا.

قد يكون مؤسسة.
وقد يكون نخبة.
وقد تكون جماعة مصالح.
وقد يكون قرارًا سياسيًا.
وقد تكون بنية اجتماعية تراكمت عبر سنوات.
وقد يكون صمتًا جماعيًا سمح للخطأ بأن يصبح طبيعيًا.

وهذه النقطة مهمة لأن اختزال كل أزمات السودان في شخص أو جماعة واحدة قد يمنحنا راحة نفسية، لكنه لا يمنحنا فهمًا حقيقيًا فالدول لا تنهار عادة بسبب فعل واحد.
إنها تتآكل عندما تتراكم أفعال صغيرة وكبيرة، ويتحول الخطأ من استثناء إلى ممارسة، ثم من ممارسة إلى ثقافة.
وهنا يظهر أخطر أنواع الضمير المستتر ، ليس الذي يخفي فاعلًا واحدًا، بل الذي يخفي منظومة كاملة من المسؤوليات.

*من قتل الحقيقة قبل أن تقتل الحرب الناس؟*

الحرب لا تقتل الإنسان بالسلاح وحده أحيانًا تقتله قبل ذلك، حين تسلبه قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
وحين يصبح كل طرف قادرًا على إنتاج روايته الخاصة، يصبح السؤال عن الحقيقة نفسه جزءًا من الصراع.
نحن لا نختلف فقط حول ما حدث بل بدأنا نختلف حول:

من يملك حق رواية ما حدث؟
ومن يملك حق تسمية الضحية؟
ومن يملك حق تحديد الجاني؟
ومن يملك حق تعريف الوطن؟
ومن يملك حق الحديث باسم الشعب؟

وهنا يصبح أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن تُخفى الحقيقة، وإنما أن تتعدد الحقائق حتى تفقد الحقيقة نفسها قيمتها عندها لا يعود الضمير مستترًا في الجملة فقط بل يصبح مستترًا في الوعي.

*الطفل الذي لا نراه في معادلة الحرب*

هناك ضمير آخر أكثر قسوة ، نحن نتحدث كثيرا عن الحرب، وعن المدن، وعن السلاح، وعن السياسة، وعن المفاوضات لكن خلف كل ذلك يوجد إنسان صغير لا يملك أي قرار.

طفل يدخل عامًا دراسيا بعد آخر دون أن يعرف متى تنتهي الحرب.

طفل قد تكون مدرسته مفتوحة، لكنه لا يعيش بالضرورة حياة مدرسية طبيعية.

طفل يقرأ، ويمتحن، وينتقل من مرحلة إلى أخرى، بينما تحمل ذاكرته سنوات لم يكن فيها طفلًا كما ينبغي.
وهنا لا يكفي أن نقول التعليم مستمر.
السؤال الأعمق هو:
أي تعليم؟ وأي طفولة؟ وأي مستقبل نصنعه لطفل يتعلم في ظل الخوف والضغط وعدم اليقين؟
فالفاقد التربوي ليس فقط ما لم يتعلمه الطالب أحيانًا يكون الفاقد التربوي هو ما فقده الطالب من شعوره الطبيعي بالأمان، واللعب، والراحة، والاستقرار، والانتماء إلى مدرسة تشبه المدرسة التي عرفها العالم وهذا أيضًا ضمير مستتر.
لأننا نتحدث عن استمرار العملية التعليمية، بينما قد ننسى أن هناك إنسانًا يتغير في داخلها.

*حين يصبح الصمت موقفًا*

ليست المشكلة دائمًا في الذين يتحدثون أحيانًا تكون في الذين يستطيعون الكلام، لكنهم اختاروا الصمت.

الصمت في الأزمات ليس دائمًا حيادًا.
قد يكون خوفًا.
وقد يكون عجزًا.
وقد يكون مصلحة.
وقد يكون انتظارًا.
وقد يكون، في بعض الحالات، مشاركة غير مباشرة في استمرار الواقع.
وهنا يجب أن نكون أكثر قسوة مع أنفسنا فالسؤال ليس فقط:
من فعل؟
بل أيضًا:
من رأى ولم يتدخل؟
من عرف وسكت؟
من استطاع أن يقول الحقيقة واختار السلامة؟
ومن استفاد من بقاء الحقيقة بلا اسم؟
إنها أسئلة مؤلمة لكن الأمم لا تتعافى من جراحها بمجاملة ذاكرتها.

> السودان لا يحتاج إلى مزيد من الاتهامات… بل إلى تسمية دقيقة للمسؤولية

وليس المقصود من كل ذلك صناعة قائمة جديدة من الاتهامات فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الغضب بقدر ما يحتاج إلى نظام للمعرفة نحتاج إلى أن نميز بين:

المسؤولية المباشرة،
والمسؤولية السياسية
والمسؤولية المؤسسية
والمسؤولية الاجتماعية
والمسؤولية الأخلاقية.
نحتاج إلى أن نتعلم كيف نسأل عن الفعل دون أن نحول السؤال إلى كراهية.
وكيف نحدد المسؤولية دون أن نحول العدالة إلى انتقام.
وكيف نقرأ التاريخ دون أن نصنع منه وقودًا لحرب جديدة.
> فالعدالة الحقيقية لا تحتاج إلى ضمير مستتر إنها تحتاج إلى فعل واضح، وفاعل واضح، ودليل واضح، ومسؤولية واضحة.

ربما كانت مشكلتنا أننا تعودنا على الجملة الناقصة من قبيل أكمل …
في المدرسة، تعلمنا أن الجملة قد يكون فاعلها مستترا لكننا لم نتعلم أن المجتمعات لا تستطيع بناء مستقبلها إذا ظلت جملها السياسية ناقصة.

لا يمكن أن نقول:
انهارت الدولة ، ثم ننصرف.
فالسؤال: كيف انهارت؟

ولا يمكن أن نقول فسد المجتمع فالمجتمع ليس كائنًا واحدًا.
السؤال: من الذي ساهم في إفساد شروط الحياة المشتركة؟

ولا يمكن أن نقول فشلنا.
فالفشل ليس قدرًا جماعيًا بلا أسباب.
السؤال:
من اتخذ القرار؟
ومن امتلك المعلومة؟
ومن امتلك السلطة؟
ومن امتلك القدرة على التصحيح؟
ومن اختار ألا يفعل؟
هذه ليست أسئلة للبحث عن مذنبين فقط إنها أسئلة لاستعادة القدرة على بناء دولة تعرف أين أخطأت.

*أخطر ما في الضمير المستتر أنه يصبح عادة*

ربما لا تكون المشكلة في أن الفاعل اختفى مرة المشكلة حين يصبح اختفاؤه عادة.

حين نتحدث عن الفقر دون أن نتحدث عن إدارة الموارد.

عن الحرب دون أن نتحدث عن اقتصاد الحرب.

عن الانقسام دون أن نتحدث عن صناعة الانقسام.

عن النزوح دون أن نتحدث عن أسباب النزوح.

عن انهيار الدولة دون أن نتحدث عن الذين أضعفوا مؤسساتها.

عن المستقبل دون أن نتحدث عن القرارات التي تصنعه اليوم.

> عندها يصبح الضمير المستتر جزءًا من الثقافة السياسية نفسها.
فنحن لا نخفي الفاعل فقط ، نحن نعتاد غيابه وهنا تكمن الكارثة.

#أصل_القضية

ربما يحتاج السودان اليوم إلى أكثر من وقف إطلاق النار.
يحتاج إلى وقف إطلاق النار على الحقيقة نفسها.
يحتاج إلى لغة جديدة لا تخاف من تسمية الأشياء.

لغة لا تجعل الحرب فعلًا بلا فاعل.
ولا تجعل الفساد ظاهرة بلا مفسدين.
ولا تجعل انهيار المؤسسات قدرًا بلا مسؤولية.
ولا تجعل المجتمع ضحية دائمة بلا قدرة على مراجعة نفسه.
فالأمم لا تتعافى حين تنسى من أخطأ ولا حين تعلق كل أخطائها على الآخرين بل حين تمتلك شجاعة النظر إلى المرآة.

أن تقول:
هنا أخطأنا.
هنا صمتنا.
هنا فشلنا.
هنا استُغلت خلافاتنا.
هنا تحولت مصالحنا إلى أدوات لتدمير مصلحتنا العامة.
وهنا… كان يجب أن نتحدث، ولم نتحدث.
فربما يكون أخطر ما ورثناه من الحرب ليس الخراب الذي تركته في المدن، ولا الخسائر التي تركتها في الاقتصاد، ولا حتى الجراح التي تركتها في الذاكرة ربما يكون أخطر ما ورثناه هو الاعتياد على الجملة التي لا نعرف فاعلها.
والسودان الذي يريد أن يبني دولة جديدة، عليه أن يتعلم من جديد كيف يكتب الجملة كاملة.
لأن الضمير قد يكون مستترًا في اللغة…
لكن المسؤولية لا ينبغي أن تكون كذلك في التاريخ.
وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

غنائم الفرسان وبشائر الحسم في كردفان

جاء في التقرير العسكري للقوات المسلحة السودانية بشأن تحرير مناطق شمال كردفان أن حجم الغنائ…