‫الرئيسية‬ مقالات السودان… إذا كان الكل ذكياً فمن هو الغبي؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

السودان… إذا كان الكل ذكياً فمن هو الغبي؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

««في السودان، من الصعب أن تجد شخصًا يعترف بأنه أخطأ… لكن من السهل جدًا أن تجد ألف شخص يشرحون لك لماذا أخطأ الآخرون!»»

 

في كل أزمة، نبحث عن المخطئ. لكن في السودان، تبدو الإجابة جاهزة دائمًا … هو الآخر.

كل طرف يملك روايته، وكل جماعة تمتلك تفسيرها، وكل شخص يستطيع أن يقدم لك مرافعة كاملة تثبت أنه كان يرى الخطر منذ البداية، وأن ما حدث لم يكن خطأه، وأن المسؤولية تقع في مكان آخر.

 

الجميع كانوا يعرفون.

 

الجميع كانوا يحذرون.

 

الجميع كانوا أذكياء.

 

لكن إذا كان الجميع أذكياء… فمن الذي أخطأ؟

ومن الذي قادنا إلى هذه اللحظة؟

 

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

*ليست المشكلة في نقص الذكاء*

 

ربما لا يعاني السودان من نقص في الأذكياء.

 

لدينا سياسيون أذكياء

وعسكريون أذكياء

ومثقفون وأكاديميون وإعلاميون ونشطاء أذكياء.

لكن الدولة لا تُبنى بذكاء الأفراد وحده.

الدولة تحتاج إلى ذكاء جماعي.

 

والذكاء الجماعي لا يعني أن يكون كل فرد قادرًا على إثبات أنه على صواب، بل أن يكون المجتمع قادرًا على اكتشاف خطئه وتصحيحه قبل أن يتحول إلى كارثة.

قد يكون لدينا آلاف العقول القادرة على التحليل، لكننا نفتقر إلى المنظومة التي تجعل هذه العقول تفكر معًا فالعقل الفردي يستطيع أن يربح معركة، لكن العقل الجماعي هو الذي يمنع الحرب.

 

*الذكاء الاجتماعي… حين يصبح العقل مسؤولية تجاه الآخرين*

 

وهنا نصل إلى مفهوم أكثر التصاقًا بحياتنا اليومية… الذكاء الاجتماعي

فالذكاء الاجتماعي هو قدرة الإنسان على فهم الآخرين، وقراءة مشاعرهم ودوافعهم، والتعامل معهم بوعي واحترام، وإدارة الاختلاف والتوتر بطريقة تمنع العلاقات من التحول إلى صراع.

لكن المجتمع لا يحتاج فقط إلى أفراد أذكياء اجتماعيًا…

يحتاج إلى ثقافة اجتماعية تجعل هذا الذكاء قيمة عامة فالذكاء الاجتماعي في السودان بعد الحرب يعني أن أفهم أن خوفي لا يمنحني الحق في اتهام الآخر، وأن تجربتي الشخصية لا تصلح وحدها للحكم على جماعة كاملة، وأن اختلاف الناس في مواقفهم أثناء الحرب لا يجعلهم جميعًا سواء.

ويعني أيضًا أن أستطيع التمييز بين من أختلف معه، ومن أتهمه، ومن أملك دليلًا على ارتكابه جريمة.

وهنا يتحول الذكاء الاجتماعي من مجرد مهارة في التعامل مع الناس إلى أداة للأمن الاجتماعي.

أن تعرف متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تسأل، ومتى تتحقق، ومتى ترفض أن تكون أداة في نشر اتهام أو شائعة أو خطاب كراهية.

 

*أخطر أنواع الغباء*

 

> الغباء ليس دائمًا ضعفًا في القدرة على التفكير.

 

أحيانًا يكون أخطر أشكال الغباء هو العجز عن مراجعة الذات…

أن ترى كل الأخطاء في خصمك، ولا ترى خطأً واحدًا في صفك.

 

أن تبحث عن الأدلة التي تدين الآخرين، وتتجاهل الأدلة التي تضعك أمام المرآة.

 

أن تعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة، بينما الحقيقة أن الاعتراف به هو أول انتصار للعقل.

ولهذا فإن المجتمع الذي لا يستطيع الاعتراف بأخطائه لا يتعلم، والذي لا يتعلم يعيد إنتاج أخطائه، ولكن بأسماء جديدة.

 

*بعد الحرب… لا تصنعوا حربًا أخرى*

 

الحرب لم تكسر البيوت والمؤسسات فقط إنها تهدد بكسر شيء أكثر خطورة ..

إنها الثقة بين السودانيين.

وهنا يظهر خطاب بدأ يتزايد هذه الايام ويغذى بصورة كبيرة ..

العائدون يحمّلون من بقي في مناطق الحرب مسؤولية ما حدث من تدمير ونهب لبيوتهم ، أو ينظر إليهم باعتبارهم متعاونين مع قوات الدعم السريع لمجرد أنهم لم يستطيعوا المغادرة.

لكن هل كان البقاء دائمًا اختيارًا؟

ليس كل من بقي في الخرطوم اختار البقاء. وليس كل من لم يغادر منطقة سيطر عليها الدعم السريع كان متعاونًا معهم.

هناك من بقي لأنه لم يجد وسيلة للخروج، أو لم يملك المال، أو كان يحمي أطفاله، أو ببساطة لم يتوقع أن تطول الحرب.

 

*الحرب لا تمنح المواطن دائمًا رفاهية الاختيار.*

 

ومن الخطأ أن نحول العجز عن المغادرة إلى تهمة هناك فرق بين المحاسبة والانتقام

من ارتكب جريمة يجب أن يحاسب

ومن تعاون في ارتكابها يجب أن يحاسب

 

لكن المحاسبة لا تقوم على الشائعات والانطباعات والمكان الجغرافي.

 

> المحاسبة تحتاج إلى دليل وتحقيق وقانون وقضاء.

 

أما أن يصبح البقاء دليلًا، والصمت اعترافًا، والنجاة شبهة، فهذه ليست عدالة إنها صناعة لحرب جديدة.

 

*من هو الغبي إذن؟*

 

ربما السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة فليس المهم أن نبحث عن الغبي بين السودانيين، بل أن نسأل:

 

ما الذي جعل مجتمعًا مليئًا بالأذكياء يصل إلى هذه النتيجة؟

 

ربما الغبي هو النظام الذي لا يتعلم.

وربما هو العقل الذي يظن أن انتصاره على الآخر أهم من نجاة الوطن.

وربما هو السياسي الذي يربح جمهورًا بخطاب الكراهية، ثم يكتشف أن الكراهية لا تعرف صاحبها عندما تكبر.

وربما هو الإعلام الذي يحول الشائعة إلى حقيقة، والحقيقة إلى وجهة نظر، ووجهة النظر إلى معركة.

 

لكن أخطر غبي على الإطلاق هو من يظن أن الحرب يمكن أن تنتهي عسكريًا بينما تغذى داخل عقول الناس.

 

*الحرب التي لا تظهر في الخرائط*

 

هناك حرب لا تظهر في تقارير المعارك لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة ولا إلى طائرة إنها الحرب التي تبدأ عندما يفقد السوداني ثقته في السوداني.

عندما يصبح الجار متهمًا، والنجاة تهمة، والاختلاف خيانة، والانتماء الجغرافي سببًا للمساءلة.

 

هذه الحرب أخطر لأنها لا تحتاج إلى قائد كل واحد منا يمكن أن يصبح جنديًا فيها بمجرد أن يعيد نشر كلمة كراهية ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل هي جزء من الأمن الاجتماعي والأمن الوطني.

 

*السودان يحتاج إلى عقل جماعي*

 

السؤال بعد الحرب يجب ألا يكون فقط: من المخطئ؟

بل: كيف سمحنا للخطأ أن يتحول إلى كارثة؟

ولا ينبغي أن نسأل فقط: من كان على حق؟

بل: أين الحقيقة؟

ولا: من مع من؟

بل: من مع السودان؟

 

> فالذكاء الجماعي الذي نحتاجه ليس أن نتفق جميعًا ، فاختلاف السودانيين ليس المشكلة.

 

المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى عداوة وأن تتحول الذاكرة إلى محكمة

وأن يتحول الألم إلى رغبة في الانتقام.

 

الذكاء الجماعي هو أن نختلف دون أن نُجرّم بعضنا..

وأن نحاسب الفرد دون أن ندين جماعة..

وأن نبحث عن الحقيقة قبل الرواية..

وأن نترك للقانون مهمة تحديد المسؤولية.. لا للغضب والذاكرة المجروحة.

 

فالسودان لن يحتاج إلى إعادة بناء الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس فقط سيحتاج إلى إعادة بناء الثقة.

والثقة لا تُبنى بالتخوين، ولا بالانتقام، ولا بإعادة توزيع الكراهية بين الضحايا.

إنها تُبنى بالعدالة، والحقيقة، والمساءلة، والاعتراف، والمصالحة.

 

#أصل_القضية،،،

إذا كان كل طرف يرى نفسه أذكى من الآخر، وكل طرف يملك الحقيقة، وكل طرف لديه قائمة طويلة بأخطاء الآخرين…

فربما حان الوقت أن نتوقف عن النظر إلى الآخر، وننظر إلى المرآة.

فالأمم لا تنهار لأنها خلت من الأذكياء.

أحيانًا تنهار لأن أذكياءها لم يتعلموا كيف يفكرون معًا.

والسودان اليوم لا يحتاج إلى من يثبت أنه كان على حق قبل الحرب، بقدر ما يحتاج إلى من يمتلك الشجاعة ليقول:

أخطأنا.

ثم يسأل: كيف لا نخطئ مرة أخرى؟

فربما يكون هذا الاعتراف البسيط…

هو أول فعل ذكاء جماعي في السودان.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

زيارة العطا لانقرة تبشر بتحول على المشهد السياسي و العسكري في السودان

​من رحم التحديات العظام تترسخ إرادة الأمم ويولد من عتمة الأزمات فجر سوداني جديد يمتلئ بالش…