‫الرئيسية‬ مقالات حرب الشبهات وإسقاط القدوات.. ماذا يراد من استهداف الشيخ الزين؟
مقالات - ‫‫‫‏‫17 ساعة مضت‬

حرب الشبهات وإسقاط القدوات.. ماذا يراد من استهداف الشيخ الزين؟

خواطر ابن فضل د. محمد فضل محمد

ما يُثار في هذه الأيام حول الشيخ الزين من اتهامات ودعاوى ينبغي أن يُنظر إليه بميزان الشرع والعدل، لا بميزان الخصومات والأهواء وضجيج وسائل التواصل الاجتماعي. *فما نعلمه عن الشيخ الزين إلا خيرًا، وما عرفه الناس إلا داعيةً إلى الله، حاضرًا في مجالس القرآن والدعوة والخير، ومن كان هذا هو المعروف عنه فلا يجوز أن تُهدر سمعته وتُستباح كرامته لمجرد دعاوى تتداول هنا وهناك، لم نرَ عليها بينات تثبتها

ونقولها بوضوح: *ليس الشيخ الزين فوق المساءلة، وليس أحد من الناس فوق القضاء، ولكن ليس من العدل أن يكون الإنسان مدانًا حتى يثبت براءته. الأصل أن البينة على من ادعى، ومن كانت لديه دعوى فليقدمها إلى الجهات المختصة، وهناك تُسمع الأقوال وتُفحص الأدلة ويُعطى كل طرف حقه في الدفاع. أما أن تتحول الميديا إلى محكمة، وأن يصبح كل هاتف منصة اتهام، وكل ناقل قاضيًا، وكل شائعة حكمًا نهائيًا، فهذا ليس عدلًا ولا شرعًا.

والعجيب أن بعض الناس انشغلوا بقضية الشيخ الزين *وكأنه أصبح هو معاناة السودان الكبرى! بلد أنهكته الحرب، وسالت فيه الدماء، وشُرّد أهله، ونُهبت أموالهم، ودُمرت مدنه وقراه، ثم تجد من يفرغ جهده لمطاردة داعية وإعادة تدوير كل ما يقال عنه، وكأن أزمة السودان قد اختُزلت في الشيخ الزين!*
وهنا يحق لنا أن نسأل: *لماذا هذا الإصرار على تحويل الدعاوى إلى حقائق؟ ولماذا كلما برزت قدوة أو داعية أو صاحب تأثير أُثير حوله غبار الشبهات؟

وهنا لا نتحدث عن الشيخ الزين وحده، ولا نحصر القضية في شخصه؛ *فالمتابع لما يجري يلحظ أن هناك حملة شرسة تتكرر صورها وأساليبها لإسقاط القدوات في المجتمع، من العلماء والدعاة والمربين وأهل الخير والتأثير. وكلما برزت شخصية لها قبول في الناس، أو كان لها أثر في توجيه المجتمع وربطه بقيمه ودينه، نشط بعض أصحاب الأغراض في التنقيب عن الشبهات وإثارة الاتهامات حولها، حتى لو لم تقم عليها بينة. وكأن المطلوب ليس تصحيح خطأ ثبت بالدليل، وإنما إسقاط الشخص نفسه وهدم مكانته في نفوس الناس.

 

إن *إسقاط القدوات أخطر من استهداف فرد بعينه؛ لأن القدوة لا تمثل نفسها فقط، وإنما تمثل قيمًا ومعاني ومبادئ في نفوس من يقتدون بها. ولذلك فإن تشويهها بلا بينة قد يتجاوز ظلم الشخص إلى زعزعة ثقة الناس في العلماء والدعاة وأهل الفضل جميعًا. ومن هنا يجب أن نفرق بوضوح بين النقد المشروع، الذي لا أحد فوقه، وبين حملات التشويه وإسقاط الرموز بالشبهات والأقاويل.*
ونحن لا نزعم العصمة لأحد، ولا *نقول إن العلماء والدعاة والقدوات فوق المحاسبة؛ فمن أخطأ يُبيَّن خطؤه، ومن ثبتت عليه مخالفة يُحاسب بالعدل، ومن كانت عليه دعوى فمكانها القضاء والجهات المختصة. لكن أن تصبح الشائعة دليلًا، والتهمة حكمًا، والميديا محكمةً لإسقاط الناس، فهذا باب من الظلم ينبغي أن يُغلق، أيًّا كان الشخص المستهدف.

إن *بعض أصحاب الأغراض يعلمون أن مواجهة الفكرة مباشرة قد لا تحقق غايتهم، فيتجهون إلى صاحبها: يثيرون حوله الشبهة، ويكررون الاتهام، ويتركون وسائل التواصل تتولى الباقي. ومع كثرة التكرار يظن بعض الناس أن ما يقال لا بد أن يكون صحيحًا، مع أن تكرار الدعوى ألف مرة لا يجعلها بينة واحدة.

وهذا منهج *بالغ الخطورة؛ لأننا إذا فتحنا هذا الباب فلن يسلم منه عالم ولا داعية ولا مصلح ولا صاحب مكانة في المجتمع. يكفي أن يطلق شخص اتهامًا، ثم يتناقله الآخرون، حتى يجد الإنسان نفسه مطالبًا بإثبات براءته من شيء لم يثبت أصلًا أنه فعله!

وقد وضع القرآن حدًا واضحًا لهذا العبث بأعراض المؤمنين، فقال الله تعالى: *﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾* [الأحزاب: 58]. تأملوا التعبير القرآني: *﴿بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾* فالأعراض ليست ساحة مفتوحة للخصومات، والحديث عن الناس بغير علم ليس بطولة، ونشر الشبهة ليس بحثًا عن الحقيقة. *ومن كانت لديه بينة فطريق القضاء والجهات المختصة معلوم، أما من لا يملك إلا «قيل لي» و«سمعت» و«يتحدث الناس»، فليعلم أنه يتعامل مع أعراض عباد الله، وأنه سيقف بين يدي الله مسؤولًا عما قال ونشر.

 

ولنا في *حادثة الإفك درس عظيم لا ينبغي أن يغيب عنا. فقد اتُّهمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأعظم التهم، وتناقل بعض الناس الحديث، ثم أنزل الله براءتها قرآنًا يُتلى، وعلّم المؤمنين كيف يكون موقفهم عندما يسمعون ما يمس أعراض إخوانهم، فقال سبحانه: *﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾* [النور: 12]. ثم جاء التحذير الأشد: *﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾* [النور: 15]. *وهذه الآية كأنها تخاطب واقع وسائل التواصل اليوم: خبر يُلقى، فيتلقفه شخص عن شخص، ثم ينتشر في دقائق، ولا يكلف كثير من الناشرين أنفسهم أن يسألوا: من المصدر؟ أين الدليل؟ هل ثبت الأمر؟ أم أنني أشارك في ظلم إنسان وهتك عرضه؟* *ضع نفسك مكان الشيخ الزين، أو مكان أي إنسان تُثار حوله مثل هذه الدعاوى. هل ترضى أن تستيقظ فتجد اسمك وصورتك وسمعتك وسمعة أسرتك مادة للتداول، ثم إذا سألت عن الدليل قيل لك: «الناس تتحدث»؟ هل تقبل أن يصبح السماع دليلًا، والشائعة حجة، وكثرة المتداولين بينة؟*

*ما لا ترضاه لنفسك فلا ترضه لأخيك.*
ونحن حين *ندافع عن هذا الأصل لا ندافع عن الشيخ الزين لمجرد أنه شيخ، وإنما ندافع عن ميزان من العدل يجب أن يحمي الجميع: الشيخ وغير الشيخ، والمؤيد والمخالف، ومن نحب ومن نختلف معه. فإذا ثبتت على أي إنسان مخالفة ببينة معتبرة، فالقضاء والشرع فوق الجميع، ولا مكانة لأحد تمنع محاسبته. أما قبل ثبوت ذلك فلا يجوز أن نذبح سمعة الإنسان على مذبح الشائعة ثم نقول له بعد ذلك: أثبت لنا أنك بريء!*
وما نعلمه عن *الشيخ الزين إلا خيرًا، وهذه شهادة بما ظهر لنا، والله وحده يتولى السرائر. ومن عُرف عنه الخير والدعوة إلى الله لا يجوز أن يهدم الناس ما عرفوه عنه لمجرد اتهام لم تثبت صحته. فالعدل يقتضي أن نفرق بين ما ثبت وما قيل، وبين الحقيقة والشبهة، وبين المحاسبة والتشهير.*
إن المجتمعات تحتاج إلى *العلماء والدعاة والمربين وأهل الخير، ولا يعني ذلك عصمتهم من الخطأ، لكن تحويل كل شبهة حول أحدهم إلى حملة إسقاط جماعية يفضي في النهاية إلى مجتمع لا يثق في أحد. وإذا أصبح كل صاحب أثر عرضة للهدم بمجرد اتهام، فمن يبقى للأجيال قدوة؟ ومن يجرؤ على التقدم لخدمة الناس ودعوتهم وتعليمهم إذا كان يعلم أن سمعته يمكن أن تُهدم بمنشور مجهول أو مقطع مبتور أو رواية لا سند لها؟*
إن نقد *العلماء والدعاة فيما يخطئون فيه حق، ومحاسبة المخطئ بالطرق المشروعة حق، أما اغتيال السمعة بالشبهات فليس نقدًا، والتشهير بلا بينة ليس محاسبة، وإسقاط القدوات بالأقاويل ليس إصلاحًا.*
*ولذلك نقول لمن يملك دليلًا: قدم دليلك إلى مكانه الصحيح. ونقول لمن لا يملك إلا ما سمعه في المجالس أو قرأه في الميديا: اتق الله؛ فإن أعراض المسلمين ليست أخبارًا للتسلية ولا مادة لتحقيق الانتشار، وإن ضغطة زر تعيد بها نشر اتهام قد تحملك من الإثم ما لم يخطر لك على بال.*
ولا ينبغي *للمؤمن أن تهزه كل شائعة، ولا أن يظن أن كثرة الخصوم قادرة على تحويل الباطل إلى حق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾* [الصافات: 173].
فالحق لا يحتاج إلى *حملات تشهير، والباطل لا يصبح حقًا بكثرة من يرددونه. ومن كان مظلومًا فإن الله لا تضيع عنده المظالم، ومن بهت مسلمًا فليعلم أن القضية لا تنتهي بانتهاء «الترند»، وإنما تبقى الكلمة مكتوبة في صحيفة الأعمال.* فاتقوا الله في الشيخ الزين، *واتقوا الله في أعراض المسلمين، واتقوا الله في قدوات المجتمع. ومن كانت عنده دعوى فليأت ببينته، ومن لم تكن عنده بينة فليكف لسانه وقلمه؛ فإن هدم سمعة إنسان قد لا يستغرق إلا دقائق، ولكن الوقوف بين يدي الله للسؤال عنها أمر آخر.*

‫شاهد أيضًا‬

ورشة لرفع الكفاءة الإدارية بصندوق رعاية الطلاب بالخرطوم

نظم صندوق رعاية الطلاب بولاية الخرطوم ، بالتنسيق مع الإدارة العامة للشؤون المالية والاداري…