حين خان الصحن الواحد
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

إن الغدرَ أسوأُ ما في طبيعةِ البشرِ، لأنهُ لا يكتفي بكسرِ العظمِ وإنما يكسرُ العهدَ، ولا يكتفي بإسالةِ الدمِ وإنما يُريقُ ماءَ الوجهِ، ولا يكتفي بهدمِ البيوتِ وإنما يهدمُ الذاكرةَ المشتركةَ التي كانت تربطُ الناسَ بعضَهم ببعضٍ. والغدرُ إذا جاءَ من بعيدٍ كان مؤلماً، فكيفَ إذا جاءَ من قريبٍ كان بالأمسِ يجلسُ على نفسِ المائدةِ، ويشربُ من نفسِ الكوبِ، ويحملُ نفسَ البندقيةِ بحجةِ حمايةِ الوطنِ؟
هذا ما حدثَ في السودانِ. لم تكن الحربُ التي اندلعت معركةً بين وطنٍ وغزاةٍ، ولم تكن مواجهةً بين دولةٍ ومتمردينَ قدموا من خارجِ الحدودِ، وإنما كانت طعنةً في الظهرِ من الذين كانوا بالأمسِ جزءاً من نسيجِ الدولةِ الأمنيِ. كانت مليشياتُ الدعمِ السريعِ يوماً ما تتحركُ بأمرِ المؤسسةِ العسكريةِ، وتأتمرُ بتوجيهِ القيادةِ، وتأكلُ في صحنٍ واحدٍ مع الجيشِ. تقاسموا الثكناتِ، وتقاسموا التدريبَ، وتقاسموا حتى الأفراحَ والأتراحَ. قيلَ لنا حينها إنهم قوةٌ مساندةٌ، وإنهم سندٌ في مواجهةِ التحدياتِ، وإن وجودَهم إضافةٌ لا خصمٌ. فصدقنا، كما يصدقُ الأخُ أخاهُ، ووثقنا كما يثقُ الشريكُ بشريكهِ.
ولكن الطمعَ إذا استوطنَ النفوسَ أعمى البصيرةَ، وإذا تملكَ الجماعاتِ أصمَها عن صوتِ العقلِ. فطمعوا في الحكمِ، وطمعوا في أن يتحولوا من قوةٍ مساندةٍ إلى سلطةٍ حاكمةٍ، وطمعوا في أن يرثوا الدولةَ التي كانوا يحرسونَ أبوابَها. وظنوا أن لحظةَ الضعفِ السياسيِ التي يمرُ بها الوطنُ هي فرصتهم التاريخيةُ لخطفِ المشهدِ، وأن الدعمَ الخارجيَ الذي انهالَ عليهم مالاً وسلاحاً وإعلاماً وتخطيطاً سيجعلُ منهم أمراءَ أمرٍ واقعٍ جديدٍ.
ولأن الخارجَ لا يتحركُ إلا حيثُ يجدُ أدواتٍ داخليةً، فقد وجدَ في هذا الطمعِ مدخلاً، ووجدَ في هذا الجشعِ ذريعةً. فدعمَهم لا حباً فيهم ولا إيماناً بقضيتِهم، وإنما استخداماً لهم. قدمَ لهم السلاحَ ليقتلوا بهِ، وقدمَ لهم المالَ ليشروا بهِ الولاءاتِ، وقدمَ لهم المنابرَ ليبيضوا بها وجهَهم القبيحَ. ولم يقلْ لهم أن الأدواتِ تُستخدمُ ثم تُرمى، وأن من يبيعُ وطنَه اليومَ سيُباعُ هو غداً بثمنٍ أبخسَ.
وكانت النتيجةُ التي نعيشُها الآنَ دماراً وخراباً وتشريداً لم يشهدْ لهُ السودانُ مثيلاً في تاريخهِ الحديثِ. مدنٌ كانت قبلةً للتجارةِ والحياةِ صارت هياكلَ خاويةً، وشوارعُ كانت تمتلئُ بالأطفالِ صارت خنادقَ للموتِ، وأسرٌ كانت تنامُ آمنةً في بيوتِها صارت مشردةً في المعسكراتِ وعلى حدودِ الدولِ تبحثُ عن لقمةٍ وعن كرامةٍ وعن وطنٍ بديلٍ. لم يتركوا خلفَهم إلا الرمادَ، ولم يورثوا للأجيالِ القادمةِ إلا جرحاً غائراً سيحتاجُ إلى أجيالٍ كي يلتئمَ.
إن بشاعةَ ما حدثَ لا تكمنُ فقط في حجمِ الخرابِ، وإنما في طبيعةِ الفاعلِ. فالعدوُ الخارجيُ إذا احتلَ أرضاً كنتَ تعرفُ أنه عدوٌ، وتستعدُ لهُ وتقاومهُ. أما أن يأتيَ الخرابُ من يدٍ كانت بالأمسِ تمسكُ يدَكَ في الاستعراضِ، ومن لسانٍ كان بالأمسِ يقسمُ على المصحفِ بحمايةِ الدستورِ، فتلكَ هي الطعنةُ التي لا تُنسى.
لقد كشفَ هذا الغدرُ عورةَ المشهدِ السياسيِ كلهُ. كشفَ أن بعضَ الأحزابِ كانت ترى في هذهِ المليشيا ورقةَ ضغطٍ على خصومِها، وأن بعضَ النخبِ كانت تصفقُ لها حينَ تضربُ هذا وتسكتُ حينَ تضربُ ذاكَ، إلى أن كبرت حتى خرجت عن السيطرةِ وابتلعت الجميعَ. فالخارجُ لم يصنعِ الأزمةَ من عدمٍ، وإنما وجدَ أرضاً متشققةً فصبَ فيها الزيتَ حتى اشتعلت.
واليومَ وبعدَ كلِ هذا الدمِ، صارت الحقيقةُ واضحةً كالشمسِ. معركةُ السودانِ ليست معركةَ كرسيٍ ولا معركةَ انتخاباتٍ، وإنما معركةُ بقاءٍ. معركةُ هويةٍ، ومعركةُ كرامةٍ، ومعركةُ ردِ اعتبارٍ لشعبٍ أرادوا أن يحولوهُ إلى لاجئينَ في وطنِهم. والشعوبُ التي تتعرضُ للغدرِ لا تموتُ، بل تزدادُ مناعةً. تتعلمُ أن الثقةَ لا تُمنحُ مرتينِ، وأن البندقيةَ لا تكونُ إلا في يدِ مؤسسةٍ واحدةٍ موحدةٍ، وأن الوطنَ أكبرُ من الحزبِ وأكبرُ من الزعامةِ وأكبرُ من كلِ أطماعِ الطامعينَ.
سيكتبُ التاريخُ أن هناكَ من أكلَ في صحنٍ واحدٍ مع أبناءِ هذا الوطنِ ثم بصقَ في الصحنِ وكسرَه. وسيكتبُ أيضاً أن هذا الشعبَ رغمَ الألمِ لم ينكسرْ، وأن هذا الجيشَ رغمَ المؤامراتِ لم يسقطْ، وأن فكرةَ السودانِ أكبرُ من مليشيا مدعومةٍ وأكبرُ من مشروعِ تقسيمٍ وأكبرُ من كلِ محاولاتِ التذويبِ.
فالغدرُ قد ينتصرُ في جولةٍ، ولكنهُ لا يصنعُ تاريخاً. والتاريخُ لا يكتبهُ الغادرونَ، وإنما يكتبهُ الصامدونَ الذين يدفعونَ الثمنَ من دمِهم حتى لا يضيعَ الوطنُ.
وسينهضُ السودانُ من تحتِ الركامِ، لا بفضلِ من خانوا، ولكن رغماً عنهم، وبسواعدِ من ظلوا متمسكينَ بترابِ هذا البلدِ حتى آخرِ نفسٍ، لأن الأوطانَ لا يبنيها الخونةُ، وإنما يبنيها الأوفياءُ.
meehad74@gmail.com
زيارة الفريق أول عبدالفتاح البرهان للمناقل ومدني – المعاني والدلالات
لم تكن بروتوكولية انما ذات أبعاد سياسية وأمنية واجتماعية كبيرة،ستنعكس ايجابا علي الولاية ف…





