‫الرئيسية‬ مقالات السودان… الذبحُ على نارٍ هادئةٍ
مقالات - ‫‫‫‏‫28 ثانية مضت‬

السودان… الذبحُ على نارٍ هادئةٍ

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

حين يغيبُ الصوتُ الوطنيُ وتُدارُ المعركةُ من خارجِ الحدودِ، إنَّ أخطرَ ما يُصيبُ الأممَ ليسَ رصاصُ البندقيةِ ولا دويُ المدافعِ، وإنما غيابُ الحقيقةِ. وعندما تغيبُ الحقيقةُ يصبحُ الوطنُ جسداً بلا روحٍ تُدافعُ عنهُ، وتصبحُ الروايةُ سلعةً تُباعُ في أسواقِ الإعلامِ الدوليِ بأبخسِ الأثمانِ. وهذا ما يحدثُ اليومَ للسودانِ تحديداً. عالمٌ مغيبٌ تماماً، لا يرى السودانَ إلا بعينٍ واحدةٍ، ولا يسمعُهُ إلا بصوتٍ واحدٍ، ولا يفهمُهُ إلا من خلالِ تقاريرَ كتبتها أقلامٌ لا تعرفُ من السودانِ إلا أسماءَ تنظيماتٍ حملتْ شعاراتِ “قحت” و “تقدم” و “صمود”. أسماءٌ مختلفةٌ لكنَّ الجوهرَ واحدٌ، والهدفَ واحدٌ، والغايةَ واحدةً: تدميرُ الأوطانِ من الداخلِ تحتَ لافتةِ الحريةِ والديمقراطيةِ.

 

لقد نجحتْ هذهِ الماكينةُ الإعلاميةُ نجاحاً منقطعَ النظيرِ في عزلِ السودانِ عن العالمِ. أطلقتِ الإشاعاتِ فصدقَها الغربُ، وروّجتِ الأكاذيبَ فتبناها الإعلامُ الغربيُ، ولبّتْ الغربَ ضدَّ الشعبِ السودانيِ فوجدتْ آذاناً صاغيةً. فصارَ الجلادُ ضحيةً، وصارتِ المليشيا ثورةً، وصارَ من يدافعُ عن أرضِهِ متطرفاً. والسؤالُ الذي يطرحُ نفسَهُ بإلحاحٍ: هل الحقيقةُ غائبةٌ عن الغربِ؟ والإجابةُ تأتي نافيةً بكلِ قوةٍ. كلا، الحقيقةُ ليستْ غائبةً. فالغربُ يعرفُ جيداً ماذا يحدثُ في السودانِ، ويعرفُ من يمولُ، ومن يُسلحُ، ومن يخطُ، ومن ينفذُ. ولكنَّ المعرفةَ هنا ليستْ للإنقاذِ وإنما للإدارةِ، إدارةُ الفوضى على نارٍ هادئةٍ حتى تنضجَ الطبخةُ الأخيرةُ.

 

إنَّ المخططَ أكبرُ بكثيرٍ من مليشياتِ الدعمِ السريعِ التي خرجتْ من رحمِ الدولةِ لتنقلبَ عليها. وأكبرُ من واجهاتٍ سياسيةٍ تسمي نفسَها “صمود” وهي لا تصمدُ إلا على جماجمِ السودانيينَ. وأكبرُ من دولةٍ وظيفيةٍ بعينِها كالإماراتِ التي لعبتْ دورَ الممولِ والمحركِ في الخفاءِ. المخطُ هو مشروعُ تقسيمٍ متكاملٍ، طبخةٌ جُهزتْ على مهلٍ. الهدفُ الأولُ منها فصلُ دارفورَ عن جسدِ الوطنِ، وخلقُ كيانٍ هشٍ تابعٍ لا قرارَ لهُ. والهدفُ الثاني إشغالُ الحكومةِ المركزيةِ بجبهاتٍ مشتعلةٍ في النيلِ الأزرقِ وفي كردفانَ ، حتى لا تلتفتَ إلى قلبِ الخطرِ، وحتى تستنزفَ مواردَها في إطفاءِ الحرائقِ بدلاً من البناءِ.

 

ولهذا السببِ بالذاتِ تُدارُ الحربُ اليومَ من خيراتِ السودانِ نفسِهِ. فالذهبُ الذي يُهربُ، والمواردُ التي تُنهبُ، كلُها تمولُ السلاحَ الذي يُذبحُ بهِ الشعبُ السودانيُ. إنها مفارقةٌ داميةٌ، أن يكونَ القاتلُ من بني جلدتنا وبمساعدة الهارج والمقتولُ صاحب الأرضِ، وأن يكونَ المالُ الذي يُشترى بهِ الرصاصُ هو مالُ الأرضِ المنهوبةِ. الشعبُ يُذبحُ مرتينِ، مرةً بالرصاصِ ومرةً بسرقةِ مستقبلِهِ وثرواتِهِ تحتَ سمعِ العالمِ وبصرِهِ.

 

ما يجري في السودانِ ليسَ حرباً عادية ولا صراعاً على السلطةِ بينَ جنرالينِ. إنها حربُ مشروعٍ ضدَّ مشروعٍ. مشروعُ وطنٍ واحدٍ موحدٍ غنيٍ بمواردهِ، في مواجهةِ مشروعِ انفصال وبقاء الدةلة السودانية والمؤسفُ أن الإعلامَ السودانيَ الوطنيَ غائبٌ أو مغيبٌ أو مشتتٌ، فتركِ الساحةَ فارغةً لتملأَها روايةٌ واحدةٌ مزيفةٌ يرددُها العالمُ ليلَ نهارَ.

 

إنَّ التاريخَ لن يرحمَ من صمتَ، ولن يغفرَ لمن باعَ الروايةَ الوطنيةَ بثمنٍ بخسٍ. فالسودانُ اليومَ لا يحتاجُ فقطَ إلى بندقيةٍ تدافعُ عن حدودِهِ، بل يحتاجُ إلى قلمٍ يدافعُ عن حقيقتِهِ. يحتاجُ إلى صوتٍ عالٍ يقولُ للعالمِ إنَّ ما يحدثُ هنا ليسَ فوضى، بل هو مخططٌ مدروسٌ، وإنَّ من يُسمونَ أنفسَهم دعاةَ مدنيةٍ هم في الحقيقةِ مهندسو التقسيمِ، وإنَّ من يمولونَ الحربَ من الخارجِ هم من يريدونَ للسودانِ أن يبقى ساحةً مفتوحةً للتجريبِ والاستنزافِ إلى الأبدِ.

 

المعركةُ الآنَ معركةُ وعيٍ قبلَ أن تكونَ معركةَ سلاحٍ. فإما أن نستعيدَ روايتَنا ونفرضَها على العالمِ، وإما أن نتركَهُ يكتُبُ لنا تاريخَنا بدمائِنا، ثم يقرأُهُ على أنه “صراعٌ ” أو “أزمةٌ إنسانيةٌ” ويطوي الصفحةَ وينصرفُ. والسودانُ أكبرُ من أن يُطوى، وأعظمُ من أن يُقسمَ، وأعمقُ من أن تُزيفَ حقيقتُهُ، لأنَّ الأرضَ التي كانتْ أصلَ البشريةِ الأولى لا يمكنُ أن تكونَ مقبرةً لآخرِ أحلامِها. فالنتحد مع بعضنا البعض ونرضي ببعضنا بالرغم من علاتنا السودان يجمعنا وفي الاتحاد قوة التاريخ لن ينسي من وقف وقت الشدة ومن وقف ضد الأوطان.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حبر على ركام الأزمة

Ghariba2013@gmail.com   تخوض الصحافة المطبوعة اليوم واحدة من أعنف معارك بقائها في الت…