‫الرئيسية‬ مقالات حبر على ركام الأزمة
مقالات - ‫‫‫‏‫10 دقائق مضت‬

حبر على ركام الأزمة

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

تخوض الصحافة المطبوعة اليوم واحدة من أعنف معارك بقائها في التاريخ الحديث؛ فلم تعد المواجهة مجرد سباق عابر مع ثورة منصات التواصل الاجتماعي وموجات التسارع الرقمي، بل تحولت إلى صراع مصيري معقد تتداخل فيه أزمات الاقتصاد الشامل وطاحونة النزاعات المسلحة التي تلتهم البنى التحتية للمؤسسات الإعلامية. إن المشهد الإعلامي المأزوم يعكس واقعاً مريراً تشد فيه الضغوط الاقتصادية واللوجستية وثاق الكلمة الصادقة، وتضع الالتزام الأخلاقي للمهنة في اختبار حقيقي أمام استحقاقات الاستمرار والحياد.

لقد فرضت الحروب والنزاعات واقعاً قسرياً على البيئة الصحفية، بعدما تسببت في تدمير آلات الطباعة، وتعطيل خطوط الإمداد، وتشتيت الكوادر البشرية المتميزة بين الهجرة القسرية والغياب المهني. ولم يتوقف الأمر عند حدود الدمار المادي، بل امتد ليرسم ملامح خناق اقتصادي حاد؛ فارتفاع تكاليف الموارد الأساسية من ورق وأحبار وطاقة، بالتوازي مع انكماش الأسواق الإعلانية وتراجع القوة الشرائية، جعل من إصدار صحيفة ورقية واحدة مغامرة مالية غير محسوبة المخاطر، تضع المؤسسات أمام معضلة الخسائر المتراكمة وغياب التسهيلات المصرفية التي تعينها على الصمود.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه تحديات التوزيع وتصلب شرايين النقل بين الأقاليم، يفرض الإعلام الرقمي التفاعلي نفسه بديلاً يستهوي الأجيال الجديدة التي تطلب الخبر السريع والوسائط المتعددة. غير أن هذا التمدد الرقمي الهائل، ورغم سرعته، كثيراً ما يقع في فخ السطحية وغياب التدقيق. ومن هنا تحديداً تبرز القيمة الراسخة للصحافة المطبوعة؛ فهي ليست مجرد ورق ينقل الخبر، بل هي وثيقة تاريخية، ومساحة للتحليل العميق، التحقيق الجاد، والالتزام الصارم بمعايير التحرير والمصداقية التي تحمي المجتمعات من تضليل الأخبار الزائفة.

إن الرهان على المستقبل لا ينبغي أن يقوم على خيار صفري يقتضي إلغاء المطبوع لصالح الرقمي، بل على رؤية تكاملية تعيد تشكيل نموذج العمل الصحفي. إن الحل يكمن في تبني استراتيجية “الإصدار المزدوج” التي تزاوج بين عمق المحتوى الورقي ومرونة المنصات الإلكترونية، مع الاستثمار الحقيقي في إعادة تأهيل الصحفيين وتطوير أدواتهم التفاعلية.

غير أن هذا التحول المؤسسي لا يمكن أن يكتمل بمعزل عن مظلة حماية وتكامل جماعي؛ إذ تملي الأزمة الراهنة حتمية وجود تكاتف وطني يجمع المؤسسات الصحفية، والقطاع الخاص، والجهات التنظيمية والنقابية. إن تقديم تسهيلات لوجستية، وإعفاء مدخلات الإنتاج الصحفي من الأعباء الضريبية والجمركية، ودعم البنية التحتية، ليس مجرد دعم لقطاع استثماري، بل هو حماية لمرفق ثقافي ومعرفي يمثل ذاكرة الأمة وصوت عقلها. إن بقاء الصحافة المطبوعة وتطورها لم يعد مجرد مسألة استئناف للطباعة، بل هو قرار استراتيجي باستعادة الدور التنويري للمهنة وتكييفه مع معطيات العصر الجديد.

‫شاهد أيضًا‬

السودان… الذبحُ على نارٍ هادئةٍ

حين يغيبُ الصوتُ الوطنيُ وتُدارُ المعركةُ من خارجِ الحدودِ، إنَّ أخطرَ ما يُصيبُ الأممَ لي…