‫الرئيسية‬ مقالات حلف الفضول يتجدد بلغة العصر.. من نصرة المظلوم إلى اتفاقية الدفاع المشترك
مقالات - ‫‫‫‏‫25 دقيقة مضت‬

حلف الفضول يتجدد بلغة العصر.. من نصرة المظلوم إلى اتفاقية الدفاع المشترك

خواطر ابن فضل محمد فضل محمد

فرحنا باتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، لما تحمله فكرة الاجتماع والتناصر في أصلها من معنى مهم؛ أن تتعاون الدول على حماية أراضيها وسيادتها ومقدراتها، وأن يدرك المعتدي أن العدوان على أحد أطراف هذا التعاون لن يجد أمامه طرفًا منفردًا يسهل استضعافه، وإنما قوة متساندة تجعل للعدوان كلفة وللردع معنى. وقد أعادت هذه الخطوة إلى أذهاننا صورة مشرقة من تاريخ العرب قبل الإسلام، أقرّ النبي ﷺ مقصدها بعد بعثته، وهي حلف الفضول؛ ذلك الحلف الذي اجتمعت فيه قبائل من قريش وتعاهدت على نصرة المظلوم ورد الحق إلى صاحبه، حتى لا يبقى الضعيف فريسة لمن هو أقوى منه.

وشهد النبي ﷺ هذا الحلف قبل البعثة، ثم قال بعد أن أكرمه الله بالنبوة: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت»، رواه البيهقي في السنن الكبرى.

وهنا تتجلى دلالة عظيمة؛ فالإسلام لم يرفض مبدأ التحالف لمجرد أنه تحالف، ولم يجعل الاجتماع والتناصر مذمومًا في ذاته، وإنما جعل الميزان في الغاية التي يقوم عليها التحالف؛ فإن كان اجتماعًا على العدل، ورد الظلم، وحماية الحقوق، ومنع العدوان، كان من المعاني المحمودة، وإن كان تعاونًا على البغي والظلم كان مذمومًا. وقد وضع القرآن القاعدة الجامعة لذلك فقال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

ولعل المملكة العربية السعودية كانت سبّاقة إلى إدراك أهمية هذا المعنى في واقعنا المعاصر؛ إذ دعت من قبل إلى قيام التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، انطلاقًا من أن الأخطار المشتركة لا تكفي في مواجهتها الجهود المنفردة، وأن حماية الدول والمجتمعات تقتضي قدرًا من التنسيق والتكامل وتوحيد الجهود.

واليوم يتعزز هذا النهج باتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، في امتداد لفكرة أن أمن الدول لا ينفصل بعضه عن بعض، وأن بناء القوة المشتركة يمثل أحد أهم وسائل الردع وحماية السيادة والمقدرات.

وهذا المسار يعكس بُعد النظر لدى قيادة المملكة في استشراف طبيعة التحولات التي يشهدها العالم؛ فالقوة في عصر التكتلات لم تعد تُقاس بما تمتلكه الدولة منفردة فحسب، وإنما كذلك بقدرتها على بناء الشراكات والتحالفات التي تحفظ أمنها، وتعزز قدرتها على مواجهة الأخطار، وتحقق مصالحها ومصالح شركائها، دون عدوان على الآخرين.

وبذلك يمتد المعنى من حلف الفضول، الذي قام على ألا يُترك المظلوم وحيدًا، إلى صور التعاون المعاصر التي تقوم على ألا تُترك الدول منفردة أمام العدوان والتهديد. تختلف الأزمنة والصور والوسائل، ويبقى المعنى الجامع: أن الاجتماع قوة، وأن التناصر ردع، وأن التعاون على دفع الظلم خير من التفرق الذي يغري المعتدي بأطماعه.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم الحاجة إلى التحالفات في عالمنا المعاصر؛ فالعالم اليوم لم يعد عالم الكيانات المنفردة، وإنما أصبح عالم التكتلات الكبرى، حيث تتقاطع المصالح، وتتشارك الدول في حماية أمنها، وتبني من أدوات القوة ما يجعل الاعتداء عليها أكثر كلفة.

والشريعة لا تأمر المسلم بأن يكون ضعيفًا ينتظر العدوان، وإنما تأمره بالأخذ بأسباب القوة والاستعداد، قال تعالى:﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

والقوة ليست سلاحًا فحسب، وإنما من أعظم صورها قوة الاجتماع والتناصر والتكامل؛ فقد تمتلك الأمة الموارد والرجال والإمكانات، ثم تضعف لأن قدراتها متفرقة وإراداتها متنازعة. ولهذا ربط القرآن بين التنازع وذهاب القوة، فقال سبحانه:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

فالتفرق ليس مجرد خلاف في المواقف، بل قد يتحول إلى ثغرة ينفذ منها الطامعون. أما الاجتماع على المصالح المشروعة فإنه يصنع قوة ردع تجعل من يفكر في العدوان يحسب حساب العواقب قبل أن يقدم عليه.

وقد وعى العرب قديمًا هذه الحقيقة، وضربوا لها مثل حزمة العصي؛ فالعود المنفرد يسهل كسره، أما الأعواد إذا اجتمعت اشتد كسرها. وهي حكمة بسيطة في صورتها، عميقة في معناها؛ فالقوة المتفرقة يمكن التغلب عليها واحدة بعد أخرى، بينما يصعب ذلك حين تجتمع وتتساند.

وقد نبّه القرآن الكريم كذلك إلى أن الآخرين يتناصر بعضهم مع بعض، فقال تعالى:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73].

فإذا كان الآخرون يجتمعون لحماية مصالحهم، ويبنون التحالفات التي تمنحهم القوة والمنعة، فإن من غير الحكمة أن يبقى الأشقاء متفرقين، ينتظر كل واحد منهم دوره في مواجهة الأخطار منفردًا. والتاريخ يعلمنا أن الطامع كثيرًا ما يبدأ بالأضعف، فإذا فرغ منه انتقل إلى غيره، حتى يأكل المتفرقين واحدًا بعد الآخر.

ومن هنا ندرك أن حلف الفضول لم يكن مجرد حادثة في تاريخ مكة، بل حمل مبدأً أخلاقيًا خالدًا: ألا يُترك المظلوم وحده، وألا يُمكَّن القوي من الضعيف لمجرد تفوقه عليه، وأن اجتماع القادرين على منع الظلم خير من تفرقهم ووقوف كل واحد منهم متفرجًا حتى يصل الظلم إلى بابه.

وما أحوج عالمنا اليوم إلى استحضار هذا المعنى؛ أن يكون التعاون من أجل حماية الحقوق، وصيانة الأوطان، وحفظ الثروات والمقدرات، ورد العدوان، ونصرة من وقع عليه الظلم، دون أن يتحول ذلك إلى مبرر للعدوان على الآخرين أو سلب حقوقهم.

فالتحالف العادل ليس إعلانًا للحرب، بل قد يكون من أقوى وسائل منعها، والقوة المتوازنة ليست دعوة إلى العدوان، بل قد تكون من أعظم أسباب ردعه؛ لأن المعتدي حين يعلم أن من يريد الاعتداء عليه ليس وحده، وأن وراءه قوة تقف معه، فإنه يعيد حساباته قبل الإقدام على عدوانه.

وهنا تتأكد الحاجة إلى فهم التحالفات من منظور أوسع من مجرد الحسابات الآنية؛ فهي متى قامت على حفظ الحقوق ورد العدوان يمكن أن تكون أداة للاستقرار لا للفوضى، وللردع لا للحرب. فالسلام لا تحميه النيات الحسنة وحدها، وإنما تحميه كذلك قوة عادلة تجعل الاعتداء مكلفًا، وتحول دون استباحة الضعيف.

وإذا كان العالم اليوم قد أدرك قيمة التكتلات والتحالفات، فإن في تراثنا ما يقرر أصل هذا المعنى منذ قرون. وحلف الفضول شاهد على أن الاجتماع لنصرة الحق ورد الظلم قيمة رفيعة أقرها الإسلام، حتى قال النبي ﷺ إنه لو دُعي إلى مثله في الإسلام لأجاب.

إننا بحاجة اليوم إلى استعادة روح حلف الفضول: أن نجتمع ولا نتفرق، وأن نتناصر ولا يترك بعضنا بعضًا، وأن نبني من القوة ما يحمي أرضنا وسيادتنا ومقدرات شعوبنا، لا للاعتداء على أحد، وإنما حتى يعلم كل من يفكر في العدوان أن وراء كل واحد منا إخوانًا يقفون معه، وأن اليد الممتدة إلى واحد لن تجد أمامها طرفًا منفردًا يسهل استضعافه.

ففي عالم التكتلات، تصبح الوحدة قوة، والتعاون حصانة، والتحالف العادل سياجًا للأمن. ومن الحكمة أن نبني من أسباب القوة ما يحفظ السلام قبل أن تضطرنا الأحداث إلى خوض الحرب؛ لأن الأمم التي تتساند يصعب استضعافها، أما المتفرقون فقد علّمنا التاريخ أن الطامعين يأكلونهم واحدًا بعد الآخر.

وصدق الله تعالى:﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

‫شاهد أيضًا‬

إلى أين يسير بنك الثروة ؟؟

وعلى طاولة ملفات البنوك فى زمن الحرب نتصفح اكثرها اثارة للدهشة و التساؤل على خلفية ديباجة …