من حوار إدارة الصراع إلى إعادة بناء الدولة ومحددات المشروع الوطني الجامع قراءة نقدية في ورقة د. الواثق كمير حول الحوار الوطني
السفير/ رشاد فراج الطيب

اطلعت على ورقة الدكتور الواثق كمير الموسومة بـ “الحوار السوداني-السوداني : قضايا الخلاف التي لا يمكن تجاوزها” ، والصادرة من القاهرة في 26 أغسطس 2026م ، وهي ورقة تستحق النقاش الجاد ، لا لأنها تقدم إجابات نهائية عن الأزمة السودانية ، وإنما لأنها تطرح سؤالاً مهماً حول الخلافات التي ينبغي ألا يقفز فوقها أي حوار سوداني مقبل .
وتكمن قيمة الورقة في محاولتها الانتقال من الحديث العام عن “الحوار” إلى البحث في القضايا التي تعوقه .
غير أن الإشكال ، في تقديري ، لا يتعلق بالقضايا التي أثارتها فحسب ، وإنما بالطريقة التي رتبت بها المشكلة قبل الوصول إليها .
فحين يكون تشخيص الأزمة غير مكتمل ، تصبح أجندة الحوار نفسها قابلة لأن تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من أن تكون مدخلاً لمعالجتها .
وهنا تبرز ملاحظتان جوهريتان على الورقة : الأولى تتعلق بخطورة وضع الدولة ومؤسساتها والقوة المسلحة الموازية لها في خانة واحدة باعتبارها “قضايا خلاف” ، والثانية ، وهي الأعمق ، تتساءل : هل نحن بحاجة إلى حوار لتسوية نزاع بين قوى متنافسة ، أم إلى حوار لإعادة تأسيس الدولة السودانية ؟
وفي تقديري ، هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق غيره .
فالسودان لا يعاني فقط من ” صراع رؤى ” حول هوية الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين المركز والأطراف والدين والدولة ، وإنما يعاني أيضاً من صراع على السلطة والموارد ومؤسسات الدولة واحتكار القوة وشبكات النفوذ والمصالح .
بل إن صراع الرؤى نفسه كثيراً ما تداخل مع صراع المصالح ، فتحولت الدولة إلى ساحة للتنافس ، وأحياناً إلى غنيمة تتصارع عليها القوى السياسية والعسكرية .
ومن هنا يصبح السؤال الأسبق : أي دولة نريد أن نبني؟ فهذا ليس ترفاً نظرياً ، وإنما هو الذي يحدد طبيعة الحوار ومنهجه .
فإذا كان الحوار مجرد تسوية بين القوى القائمة ، ظهر الجيش والدعم السريع والقوى السياسية وغيرها باعتبارهم أطرافاً تفاوضية !
أما إذا كان الحوار مشروعاً لإعادة بناء الدولة ، فإن التصنيف يتغير ؛ فالدولة ليست طرفاً مساوياً لغيرها ، والقوة المسلحة الموازية لها ليست مجرد “طرف سياسي” يحدد مستقبله بالتفاوض .
لقد كشفت الحرب خطورة ازدواج القوة المسلحة داخل الدولة .
فاحتكار الدولة للسلاح ليس بنداً تفاوضياً عادياً ، وإنما مبدأ تأسيسي للدولة الحديثة .
ولا يمكن أن تستقر دولة واحدة بجيشين أو مركزين للقرار السيادي أو قوتين تمتلكان السلاح والنفوذ خارج منظومة دستورية واحدة .
والمطلوب ليس إدارة توازن دائم بين قوتين مسلحتين ، وإنما بناء دولة لا تسمح أصلاً بقيام قوة عسكرية موازية لمؤسساتها .
لكن الدفاع عن الدولة لا يعني إعفاء مؤسساتها من الإصلاح أو وضع المؤسسة العسكرية فوق الدستور والمساءلة .
المطلوب هو جيش وطني مهني موحد ، خاضع للدستور والقانون ، بعيد عن الاستقطاب الحزبي ، ومهمته حماية البلاد وسيادتها ، لا ممارسة الحكم السياسي بلا أفق انتقالي محدد . فإصلاح المؤسسة العسكرية شيء ، وتفكيكها أو إضعافها شيء آخر ؛ الأول يعزز الدولة ، والثاني قد يقود إلى مزيد من الهشاشة وإعادة إنتاج الحرب .
أما قضية ” التيار الإسلامي ” ، فلا ينبغي تحويل تيار سياسي أو فكري بأكمله إلى قضية أمنية بسبب مشاركة بعض أفراده في السلطة السابقة أو الحرب .
وفي المقابل ، فإن رفض الإقصاء لا يعني إسقاط المحاسبة الفردية ؛ فمن ارتكب جريمة يحاسب على فعلته بصرف النظر عن انتمائه أوموقعه .
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المستقبل هي : لا إقصاء بسبب الفكر ، ولا حصانة بسبب الانتماء .
وبالمثل ، فإن الدور الإقليمي والدولي في السودان واقع لا يمكن إنكاره ، لكن الاستفادة من الدعم الخارجي في وقف الحرب وإعادة الإعمار يجب ألا تتحول إلى وصاية على القرار الوطني .
فالسودان يحتاج إلى علاقات دولية متوازنة ، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى استعادة قراره وأمنه الوطني والقومي .
أما طبيعة حرب أبريل ، فلا ينبغي فرض رواية سياسية واحدة على السودانيين ، ولا وضع جميع الروايات في مستوى واحد . هناك فرق بين الوقائع التي تحتاج إلى تحقيق وتوثيق ، والمسؤوليات التي تحتاج إلى عدالة ومساءلة ، والتفسيرات السياسية التي تحتاج إلى حوار وطني مسؤول .
ومن الخطأ كذلك وضع “الحسم العسكري” و”الحوار” في طرفي نقيض . فالسودان يحتاج إلى حسم الحرب والعدوان وحماية المدنيين وإنهاء وجود السلاح خارج الدولة ، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى حوار يعالج الأسباب التي أوصلته إلى هذه الكارثة .
لكن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لإدارة التوازن بين القوى المسلحة أو إلى بديل عن استعادة الدولة لسيادتها .
لقد أثبتت التجربة السودانية أن التسويات التي لا تعالج جذور أزمة الدولة تؤجل الأزمة ولا تنهيها .
ولذلك فإن السودان لا يحتاج إلى حوار لتقاسم السلطة بقدر حاجته إلى حوار لإعادة تأسيس الدولة .
وهذا هو جوهر المشروع الوطني الجامع : دولة المواطنة المتساوية ، وسيادة القانون ، واستقلال القضاء ، والتداول السلمي للسلطة ، والعدالة في توزيع السلطة والثروة ، وإدارة التنوع باعتباره مصدر قوة ، ومؤسسات دولة مستقلة عن الاستقطاب ، وجيش وطني مهني واحد يحتكر القوة المسلحة وفق الدستور والقانون .
وعندها تصبح القضايا التي أثارتها ورقة الدكتور كمير ملفات داخل مشروع أكبر : ليس السؤال فقط ما مستقبل الدعم السريع ، بل كيف نمنع قيام “دعم سريع” آخر ؟
وليس السؤال فقط ما دور الإسلاميين ، بل كيف نبني نظاماً لا يحتاج فيه أي تيار إلى إقصاء الآخر أو السيطرة على الدولة ؟ وليس السؤال فقط ما دور الجيش ، بل كيف نبني مؤسسة عسكرية مهنية لا تكون أداة لحزب ولا دولة داخل الدولة ؟ وليس السؤال فقط ما دور الخارج ، بل كيف نبني دولة قوية تجعل علاقاتها الخارجية قائمة على المصالح المتبادلة لا الوصاية والتبعية ؟
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يجمع السودانيين ليس : من ينتصر على من؟ وإنما: كيف نبني دولة لا يستطيع أي طرف بعد اليوم اختطافها أو تقسيم مؤسساتها أو احتكار مواردها أو استدعاء الخارج لحسم صراعه الداخلي ؟
فإذا كانت المرجعية هي ميزان القوى ، انتهينا إلى تسوية بين القوى .
وإذا كانت المرجعية هي الدولة ، بحثنا في إعادة بناء مؤسساتها .
أما إذا كانت المرجعية هي “المشروع الوطني الجامع” ، فإننا نذهب أبعد من ذلك : نحو بناء دولة سودانية جديدة ، لا منتصرة لطرف على طرف ، ولا موزعة بين مراكز القوة ، وإنما دولة مواطنة وقانون ومؤسسات .
وهذا ، في تقديري ، هو الحوار الذي يستحقه السودان بعد هذه الحرب والعدوان الغاشم .
إلى أين يسير بنك الثروة ؟؟
وعلى طاولة ملفات البنوك فى زمن الحرب نتصفح اكثرها اثارة للدهشة و التساؤل على خلفية ديباجة …





