‫الرئيسية‬ مقالات أسرى السودان في سجون الجنجويد ..  عندما يصبح الصمت شريكا في الجريمة !
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

أسرى السودان في سجون الجنجويد ..  عندما يصبح الصمت شريكا في الجريمة !

السفير/ رشاد فراج الطيب

ثمة صور لا تحتاج إلى كثير من التعليق ، لأنها تتحدث بلغة أقوى من البيانات ، وأبلغ من الخطب ، وأشد إيلاماً من كل تقارير المنظمات الدولية .

ومنذ ظهور فيديو متداول يوثق أوضاع عشرات السودانيين المحتجزين في أحد سجون قوات الدعم السريع في غرب السودان ، وربما في سجن دقريس سييء السمعة وهو أحد سجون مليشيا الجنجويد المجرمة والارهابية ، لم يعد السؤال : هل ما نراه صادماً ؟

بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً : أين نحن من هؤلاء الأسرى ؟ وأين جهود الحكومة ؟ وأين المنظمات السودانية والدولية ؟ وأين المجتمع الدولي الذي لا يترك مناسبة إلا ويحدثنا فيها عن القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ؟

 

المشاهد ، تكشف عشرات الرجال مكدسين داخل عنبر ، في حالة بالغة السوء من الهزال والإعياء ، وبعضهم شبه عارٍ ، بينما يتعرضون للضرب والإهانة بالسياط ، وسط تصوير يوحي بأن التعذيب لم يكن فعلاً سرياً ، وإنما ممارسة تجري أمام أعين حراس المكان ومشاهدي الفيديو .

 

وهنا لا بد من القول بوضوح : الأسير أو المحتجز ليس مباحاً لمن أسره .

حتى في أشد الحروب ضراوة ، هناك خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها .

فالمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949م ، التي تنطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية وغيرها ، تلزم أطراف النزاع بمعاملة الأشخاص الذين أصبحوا خارج القتال معاملة إنسانية ، وتحظر قتلهم وتعذيبهم ومعاملتهم معاملة قاسية أو مهينة .

وهذه الحماية لا تسقط لأن المحتجز ينتمي إلى الطرف الآخر ، وليس لأن الحرب بلغت أقصى درجات الوحشية .

كما أن القانون الدولي الإنساني يفرض احترام كرامة المحتجزين ، ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة ، وهي مبادئ لم تُكتب لموسم سياسي معين ، ولا لدولة دون أخرى ، وإنما وُضعت تحديداً لمثل هذه اللحظات التي تنهار فيها القواعد أمام منطق الانتقام .

ومن هنا فإن ما نراه في الفيديو لا يمثل مجرد “سوء معاملة” عابرة ، وإنما قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وجرائم حرب ، بحسب طبيعة الوقائع وهوية الضحايا والجناة والظروف المحيطة بالاحتجاز .

والسؤال هنا ليس موجهاً إلى الجنجويد وحدهم ، وإنما إلى الجميع .

أين تحركات الحكومة السودانية من ملف الأسرى والمحتجزين ؟

أين القوائم الرسمية ؟ أين أسماء الأسرى ؟ أين أماكن احتجازهم ؟ أين المطالبات الدولية بزيارتهم ؟ أين الجهود الرامية إلى إطلاق سراحهم أو تبادلهم ؟ وأين الآلية الوطنية التي تتابع مصير آلاف السودانيين الذين انقطعت أخبارهم عن أسرهم ؟

 

إن ملف الأسرى والمفقودين والمحتجزين لا ينبغي أن يظل ملفاً هامشياً في الحرب ؛ لأنه يتعلق بأرواح بشرية ، وبأسر سودانية تعيش كل يوم بين الرجاء والخوف ، ولا تعرف هل أبناؤها أحياء أم أموات .

ثم أين عشرات منظمات المجتمع المدني السودانية ؟

أين الذين كانوا يملأون الدنيا بيانات عندما يتعلق الأمر بحادثة محدودة في في ملف حقوق الإنسان ، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها بشأن حالة هنا أو هناك ؟

أين الأصوات التي كانت تصدعنا بالحديث عن بيوت الأشباح والانتهاكات والكرامة الإنسانية ؟

أين بياناتهم الآن ؟

أين منظمات Save Darfour دارفور ، ولا لقهر النساء ، ولجنة الأطباء المركزية واطباء بلا حدود

أم أن حقوق الإنسان عند البعض أصبحت انتقائية ؛ تُرفع حين تخدم الخصومة السياسية ، وتُدفن حين يكون الضحية سودانياً يقاوم العدوان ولا ينسجم مع المزاج السياسي لبعض الناشطين ؟

إن كرامة الإنسان لا تتجزأ ، والظلم لا يصبح أقل بشاعة لأن الضحية لا تنتمي إلى المعسكر السياسي الذي نؤيده .

والسؤال الأكبر : أين المنظمات الدولية؟

أين الأمم المتحدة ؟ أين مفوضية حقوق الإنسان ؟ أين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ؟ وأين المنظمات التي اعتادت أن تذكرنا صباح مساء بقواعد الحرب واتفاقيات جنيف ؟

نحن لا نطلب من المجتمع الدولي أن يخوض الحرب نيابة عن السودانيين ،

نطلب فقط شيئاً بسيطاً اسمه : حماية الإنسان .

فاللجنة الدولية للصليب الأحمر نفسها تجعل من حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم ومساعدتهم ، والدفاع عن المعاملة الإنسانية للمحتجزين ، جزءاً أصيلاً من عملها في النزاعات المسلحة .

فأين هؤلاء المحتجزون من هذه الحماية ؟

ولماذا لا يُفتح تحقيق مستقل وعاجل في الفيديو ؟ ولماذا لا يُطلب الوصول إلى أماكن الاحتجاز ؟ ولماذا لا تُمارس الضغوط اللازمة لمعرفة أسماء الأسرى وأعدادهم وأوضاعهم ومصيرهم ؟

إن الصمت الدولي أمام الضحية السودانية ليس حياداً .

والصمت حين يكون الإنسان تحت التعذيب لا يمكن أن يُسوّق لنا باعتباره “موقفاً متوازناً” .

كما أننا نتوجه هنا إلى أسر هؤلاء المحتجزين وذويهم ، مع كامل تفهمنا لحجم الخوف والعجز الذي يعيشونه : لا تجعلوا الصمت يطوي قضية أبنائكم .

طالبوا بمعرفة مصيرهم ، اجمعوا أسماءهم وصورهم وبياناتهم ، خاطبوا السفارات والمنظمات الدولية والاقليمية ، ووثقوا كل معلومة يمكن أن تساعد في إنقاذهم أو معرفة مصيرهم واجعلوا قضيتهم تؤرق العالم .

فالأسير الذي يظهر في هذا الفيديو ليس رقماً .

إنه ابن وأب وأخ وزوج ، وله أسرة تنتظر عودته .

وقد يكون بين هؤلاء من لا يعرف أهله حتى هذه اللحظة أنه ما زال حياً .

 

إن الحرب لا تبرر الوحشية ، والانتصار العسكري لا يمنح أحداً رخصة لتعذيب الأسير ، والخصومة السياسية لا تسقط عن الإنسان حقه في الكرامة .

ولذلك فإن المطلوب الآن ليس المزيد من المزايدات ، ولا تبادل الاتهامات ، وإنما تحقيق مستقل وشفاف وعاجل للتحقق من مثل هذه الفيديوهات ، وتحديد مكان التصوير وتاريخه وهوية المحتجزين ، وتحديد المسؤولين عن إدارة المكان ومن شارك في التعذيب أو أمر به أو علم به وسكت عنه .

وعندما تكون الوقائع ثابتة وموثقة كما شاهدها العالم في افعال الجنجويد وفي هذا الفيديو ، فيجب أن تترتب عليها مسؤولية قانونية فردية ، لأن مبدأ المساءلة لا معنى له إذا ظل مرتكبو الانتهاكات يعرفون أنهم يستطيعون تصوير جرائمهم ثم العودة إلى حياتهم وكأن شيئاً لم يكن .

 

لقد شهد السودان في هذه الحرب والعدوان ما يكفي من الموت والنزوح والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري والانتهاكات التي هزت الضمير الإنساني .

لكن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن نعتاد المشهد .

أن يصبح تعذيب السوداني أمراً عادياً .

أن نشاهد إنساناً يُجلد في زنزانة ثم نمر على الفيديو كما نمر على خبر عابر .

أن يتحول الأسير السوداني إلى مجرد تفصيل صغير في حرب طويلة .

وهنا يجب أن نصرخ جميعاً :

كرامة الإنسان السوداني ليست قابلة للتفاوض !

وحرمة الأسير ليست قضية سياسية .

والتعذيب ليس وجهة نظر .

والقانون الدولي الإنساني ليس قائمة انتقائية نختار منها ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا .

إننا نطالب حكومة الأمل بأن تضع ملف الأسرى والمحتجزين والمفقودين في مقدمة أولوياتها ، ونطالب المنظمات السودانية بأن تتجاوز الحسابات السياسية ، ونطالب المنظمات الدولية بأن تتعامل مع الانتهاكات في السودان بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع غيرها من أزمات العالم .

ونقول للمجتمع الدولي بوضوح : لا نريد بيانات جديدة ؛ نريد أفعالاً .

افتحوا تحقيقاً .

طالبوا بالوصول إلى المحتجزين .

اعرفوا أسماءهم .

احموا حياتهم .

واضغطوا عبر الاعلام والدبلوماسية والمنظمات من أجل إطلاق سراح من لا سند له .

لاحقوا وحاسبوا من يعذبهم .

أما الصمت ، فإن التاريخ سيكتب يوماً أن العالم رأى ، ثم اختار أن يصمت .

وهذه في حد ذاتها ، جريمة أخرى بحق الضحايا .

‫شاهد أيضًا‬

التعليم العالي تعلن عن فتح باب التقديم للقبول بمؤسسات التعليم العالي الحكومية وغير الحكومية للعام 2026–2027

أعلنت الإدارة العامة للقبول وتقويم وتوثيق الشهادات، بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ع…