‫الرئيسية‬ مقالات الشهادة السودانية… وطنٌ يمشي على قدمين
مقالات - ‫‫‫‏‫9 دقائق مضت‬

الشهادة السودانية… وطنٌ يمشي على قدمين

إسماعيل شريف

وسط كل ما مرّ بالسودان من أزمات اقتصادية وتنموية واجتماعية، وحروب واضطرابات وتبدلات سياسية، ظلت هناك أشياء قليلة احتفظت بمكانتها في الوجدان السوداني، واستطاعت أن تجمع الناس حولها بعيداً عن الخلافات. ومن بينها، بل في مقدمتها، الشهادة السودانية.

 

فالشهادة ليست مجرد امتحان ينتهي بورقة تحمل درجات، ولا محطة يعبر منها الطالب إلى الجامعة وسوق العمل. وراء هذه الورقة منظومة وطنية كاملة تتحرك؛ أسرة تنتظر، وطالب يحلم، ومعلم يترقب، ووزارة تخطط، ومؤسسات تعمل، وأجهزة تؤمّن، ومجتمع بأكمله يتابع لحظة إعلان النتيجة.

ولهذا ظلت الشهادة السودانية واحدة من أهم ممسكات اللحمة الوطنية، وواحدة من المساحات التي يجد فيها السودانيون أنفسهم جميعاً في مشهد واحد، رغم اختلاف مواقعهم ومواقفهم وظروفهم.

 

ما لا يراه الناس في لحظة جلوس الطالب أمام ورقة الأسئلة هو أن الامتحان تسبقه عمليات بالغة التعقيد. هناك إحصاءات الطلاب، وتوزيعهم على الولايات والمراكز، والظروف التعليمية التي مر بها كل إقليم، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وحركة النزوح، وإمكانية الوصول إلى المراكز، فضلاً عن الظروف الجغرافية والمناخية. وكل ذلك يدخل في حسابات العملية الامتحانية قبل أن يصل الطالب إلى مقعده. ثم تبدأ مرحلة أخرى إعداد الامتحانات وتجهيزها وطباعتها وحفظها، ثم نقلها إلى الولايات والمراكز، وتأمينها وحراستها وضمان وصولها في الوقت المحدد، وحماية المراكز والطلاب والعاملين عليها، وإعادة أوراق الإجابة بعد انتهاء الجلسات، وصولاً إلى التصحيح والرصد وإعلان النتيجة. إنها سلسلة متصلة من العمليات، لا يمكن لمؤسسة واحدة أن تنهض بها منفردة.

 

وهنا تظهر الشهادة السودانية باعتبارها نموذجاً عملياً لتكامل الأدوار بين المؤسسات المدنية والنظامية. وزارة التربية والتعليم هي صاحبة الاختصاص الفني والتربوي والإداري؛ فهي التي تدير العملية التعليمية والامتحانية وتتحمل مسؤولية إعدادها وتنظيمها وتنفيذها. وفي المقابل، تضطلع الأجهزة النظامية بما يدخل في صميم اختصاصها من تأمين وحراسة وترحيل وحماية للمراكز والطلاب والعاملين، والتعامل مع الظروف الطارئة التي قد تعترض سير الامتحانات. وهذا ليس تنظيراً مجرداً. ففي كل امتحانات للشهادة السودانية توجد غرفة طوارئ تضم وزارة التربية والتعليم والجهات ذات الصلة، تناقش الترتيبات اللازمة وخطة التأمين، فيما تتولى الشرطة مهام ميدانية تشمل كافة مراحل تأمين الامتحانات وتتابع لحظة بلحظة . وتقوم بإعداد وتنفيذ خطط محكمة لتأمين الامتحانات وتمكين الطلاب من أدائها في بيئة آمنة.

 

هذه هي النقطة التي تستحق أن نضيء عليها. المدني لا يؤدي وظيفة النظامي، والنظامي لا يؤدي وظيفة المدني. المعلم يضع المعرفة في مكانها، والإداري يدير العملية، والمؤسسة التعليمية تحدد المسار الأكاديمي، بينما توفر المؤسسة النظامية ما يلزم من حماية وتأمين. وحين يؤدي كل طرف دوره في مساحته، تتكامل العملية وتصل في نهايتها إلى الطالب. ذلك هو معنى الشراكة في صورتها العملية؛ ليس أن يذوب طرف في الآخر، ولا أن يتقدم أحدهما ليحل محل الثاني، وإنما أن يعرف كل طرف واجبه، ويحترم اختصاص الطرف الآخر، ويضع إمكاناته في خدمة الهدف المشترك.

 

ومن هنا يمكن أن تكون الشهادة السودانية أكثر من امتحان؛ يمكن أن تكون نموذجاً مصغراً لفكرة الدولة نفسها. دولة تقوم على قدمين. قدم مدنية تحمل التعليم والمعرفة والتخطيط والإدارة والخدمة العامة، وقدم نظامية توفر الأمن والحماية والتأمين في حدود اختصاصها. ولا تستطيع إحداهما أن تحمل الدولة وحدها. فإعداد الامتحان من دون القدرة على تأمينه يعرّض العملية للاختلال، وتأمين المراكز من دون مؤسسة تربوية تدير الامتحان يجعل التأمين بلا غاية. القيمة الحقيقية تظهر عندما تتجاور الاختصاصات وتتآزر المؤسسات وتتكامل الأدوار. وربما لهذا ظلت لحظة إعلان نتيجة الشهادة السودانية مختلفة في وجدان السودانيين.

في تلك اللحظة تختفي تفاصيل اللجان والغرف والاجتماعات وخطط التأمين، ويظهر الطالب في مقدمة المشهد؛ تظهر الأسرة والمدرسة وتعم التهاني وافراح النجاح ارجاء السودان. وهنا تتجسد قيمة هذه المؤسسة الوطنية.

 

السودانيون الذين فرقت بينهم الحرب، وأتعبتهم الأزمة الاقتصادية، وأرهقتهم السياسة، يجتمعون حول أبنائهم وبناتهم وهم يحققون ثمرة سنوات الدراسة. وفي هذه اللحظة تحديداً تبدو الشهادة السودانية واحدة من المساحات القليلة التي لا يزال السودانيون يلتقون فيها على معنى مشترك. إنها ليست ورقة امتحان فحسب، بل منظومة وطنية تقوم على أدوار متعددة، وتحتاج إلى تعاون مؤسسات مختلفة، وتنتهي عند المواطن. ومن هنا يصبح درس الشهادة السودانية أكبر من الشهادة نفسها الدولة لا تُبنى بإلغاء أدوار مؤسساتها، وإنما بتحديدها واحترامها وتنسيقها وتكاملها. وحين يعرف المدني واجبه، ويعرف النظامي واجبه، ويحترم كل منهما مساحة الآخر، يصبح اختلاف الوظائف مجالاً للتكامل، وتتحول الإمكانات المتفرقة إلى عمل وطني واحد.

هكذا يمكن للسودان أن يمشي على قدمين؛ قدم تبني الإنسان، وقدم تحمي ما يُبنى. وعندما تتحرك القدمان في الاتجاه نفسه، تصل الدولة إلى غايتها.

‫شاهد أيضًا‬

السلطة والاعلام

لا أعرف من اقبل على من .. ولكنا ركبنا عرضة البحر السواحله السماء   … عبدالقادر …