التجاني عبد القادر.. كان أكبر من السياسة
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

أحيانًا لا تكشف وفاة العلماء حجم ما فقدناه، بقدر ما تكشف حجم ما لم نعرفه عنهم. رحيل البروفيسور التجاني عبد القادر كان من هذا النوع، فقد اكتشف كثير من الناس أنهم فقدوا عالمًا اقترب من السياسة دون أن تستوعبه، وانتمى إلى الفكرة دون أن يصادر انتماؤه عقله، وفتحت له أبواب السلطة فاختار أن يبقى مفكرًا. ولذلك كان أكبر من السياسة، لأن السياسة تنتهي عند حدود السلطة، بينما يبدأ الفكر حين تنتهي.
عرفت بروفسور تجاني وأنا ما أزال في بدايات الجامعة، في زمن كان التنافس على ولاء الطلاب الجدد موزعًا بين الإسلاميين واليسار والاتحاديين، الامة، بحسب التنظيمات السياسية في جامعة القاهرة. وكنا نحن طلاب الفلسفة، نتحفظ على الانحياز المبكر، نريد أن نناقش الفكرة قبل أن ننتمي إليها، وأن نعرف خلفياتها قبل أن نتبنى موقفها.
لذلك اخترنا أن نبقى مستقلين أحرارًا، لأن هذا الهامش كان يمنحنا مساحة أوسع للمناورة الفكرية والنهل من المعرفة بمختلف ألوانها واتجاهاتها.
كنا نذهب إلى مجالس اليسار، ثم إلى الإسلاميين، ونستمع إلى الاتحاديين، والأمة ،ونخرج من كل مجلس بما يوسع سؤال معني الانتماء والانتباه و الغفلة. وفي هذا الهامش تحديدًا كانت تتشكل رؤيتنا، فالمعرفة بالنسبة لنا لم تكن بطاقة عضوية، والاستقلال لم يكن حيادًا باردًا، بل كان طريقة في التعلم، ووسيلة لحماية العقل من أن يتحول إلى تابع.
لكن اللقاء الذي بقي في ذاكرتنا أكثر من غيره كان مع التجاني عبد القادر، في معهد إسلامية المعرفة التابع لجامعة الخرطوم، على ما أذكر. تحدث معنا طويلًا، وكان حريصًا على أن نناقش الأفكار وخلفياتها التاريخية، لا أن نتلقى المواقف جاهزة. ولم يسعَ إلى استقطابنا إلى الحركة الإسلامية كما كان يفعل آخرون، وإنما ترك أمامنا مساحة التفكير والاختيار.
يومها شعرنا أن الرجل يتعامل مع قضية الولاء والبراء بمنهج مختلف، يفتح باب الفهم قبل باب الانتماء، ويضع الفكرة في سياقها قبل أن يطلب منك أن تقف معها أو ضدها. وربما لهذا بقي ذلك اللقاء في ذاكرتي، لأنه لم يمنحنا إجابة جاهزة، بل منحنا شيئًا أثمن من ذلك هو حق التفكير .
كلما عدت إلى تلك الأيام بعد عقود بدا لي أنني كنت أمام ملامح التجاني الحقيقية. فقد كان الرجل، في جوهر تجربته، أكبر من السياسة بمعناها المحدود. لم يكن يرفض السياسة، بل كان يرفض أن تختصر السياسة الفكر، أو أن تختزل قيمة المثقف في موقعه داخل السلطة أو التنظيم.
وهنا تكمن أهمية التجاني السياسية، باعتباره واحدًا من أولئك الذين دخلوا السياسة من باب الفكر ثم ظلوا قادرين على الخروج منها إلى مساحة النقد والمراجعة. وقد أكدت شهادات معاصريه بعد رحيله أنه، رغم انتمائه الفكري، لم يتعامل معه باعتباره مانعًا من المراجعة، وأنه اتخذ منذ منتصف التسعينيات مواقف نقدية من تجربة الإنقاذ وكتب ناقدا لمسارها.
هذه المسافة الواعية بين الانتماء والاستقلال هي ما نفتقده اليوم، فالمثقف الذي يفقد مسافته من الفكرة يتحول إلى مبرر لها، والسياسي الذي لا يهتم بالمعرفة يحوّل الدولة إلى حقل للتجارب. لذلك رغم ما عُرض عليه من أدوار سياسية وقيادية، اختار التجاني فضاء الفكر، حافظًا على استقلال الفكرة، ومثبتًا أن المثقف يستطيع التأثير في السياسة دون أن يتحول إلى موظفاً فيها. وفي بلدٍ طالما قيس فيه نفوذ المثقف بقربه من السلطة، قدّم الرجل نموذجًا مختلفًا، فكرٌ يقترب من السياسة دون أن يجعلها مطمعًا.
لم تكن أزمة البلاد ندرةَ العقول، بل غياب المؤسسات التي تحوّل المعرفة إلى فعل، فالدولة تستدعي أهل الفكر عند الحاجة، ثم تعود إلى إدارة الفوضى. وكان التجاني عبد القادر نموذجًا لهذه المفارقة، انشغل بأسئلة الدولة والمجتمع والدين والسياسة، بعقل يرى العلم معرفةً والسياسة مشروعًا لا صراعًا على السلطة. وتكشف تجربته أن مأزقنا ليس في غياب المعرفة، بل في عجزنا عن تحويلها إلى مشروع، لذلك نكتشف قيمة العقول بعد رحيلها، بدل أن نجعل منها قوةً لصناعة حاضرنا ومستقبلنا.
لذلك، بحسب #وجه_الحقيقة، الوفاء للتجاني أن نعيد أفكاره إلى الأسئلة التي عجزت السياسة عن الإجابة عنها. كان رجل أكبر من السياسة في أن يحتويه تنظيم أو موقع أو اصطفاف، رأى السياسة أداة لفهم الدولة والمجتمع، لا ساحة للغلبة. وفي بلد قاده الاستقطاب إلى الحرب، يصبح رحيله خسارة سياسية وفكرية. ولعل الدرس الأشد قسوة أن السودان لم يعجز عن إنتاج السياسيين، بل عن الإصغاء إلى المفكرين، وحين يحل الولاء محل المعرفة والاصطفاف محل الحوار، يصبح الخراب نتيجة طبيعية. رحم الله التجاني عبد القادر، وألهم أهله وتلاميذه ومحبيه الصبر، فقد رحل الرجل، لكن المأساة أبعد من رحيله: أمةٌ تُقصي عقولها حين تحتاجها، ثم ترثيها حين لا يعود لصوتها أثر في إنقاذ ما أفسدته السياسة.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 20 سبتمبر 2026م Shglawi55@gmail.com
الأبيض والمجتمع الدولي… صمود يفضح زيف التقارير وازداوجية المعايير…!!! كيف سقط الخطاب الغربي أمام صلابة الإرادة الوطنية وبطولات القوات المسلحة؟ خبير دبلوماسي: الدوائر الغربية رصدت أوضاع الأبيض بحذر وفق حسابات مصلحية محلل سياسي: الإعلام الدولي يتعمد الانتقائية ويساند من يقوض الدولة السفير رشاد: الأبيض تمثل نقطة ارتكاز لتحرير كامل كردفان ودارفور. ياسر محجوب: الشفقة الدولية مجرد أداة سياسية تتبخر فور تقدم الجيش ميدانيا عروس الرمال تتحول من دائرة الخطر إلى منصة انطلاق للسلام تقرير :رمضان محجوب
أين ذهبت التقارير والبيانات الدولية المشفقة على مدينة الأبيض؟ سؤال مشروع يعري حقيقة المواق…




