لماذا نُزهر هناك ونذبل هنا؟
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

ليس سؤالاً عابراً يطرح في مجالس الأسى، بل هو جرح سوداني مفتوح، ينزف كل يوم بكفاءة تهاجر، وعقل يرحل، ويد ماهرة تلوح مودعة وهي تبني مجد غيرنا. نحن لا نهاجر، نحن نُهجَّر. لا نغادر طوعاً، بل ندفع دفعاً إلى المنافي، حين تضيق بنا الأرض التي أحببناها حتى الاختناق.
لماذا يبدع الطبيب السوداني في مشافي لندن والرياض، ويُشار إليه بالبنان، بينما كان هنا يصارع نقص الدواء وانقطاع الكهرباء عن غرفة العمليات؟ لماذا يلمع المهندس السوداني في شركات الخليج وأوروبا ويشيّد الأبراج، بينما كان حلمه هنا يصطدم بجدار من البيروقراطية والمحسوبية؟ لماذا يتألق الأستاذ الجامعي في جامعات العالم، يبحث وينشر ويُكرّم، بينما كانت مكتبته هنا بلا مراجع، ومعمله بلا أدوات، وراتبه لا يكفي ثمن المواصلات؟
إن هجرة الكفاءات من السودان ليست نزوة سفر، بل هي قصة خذلان طويلة. الدولة، بكل تعاقب حكوماتها، لم تفهم يوماً أن الإنسان هو أثمن مورد، وأن العقول هي النفط الحقيقي الذي لا ينضب. لقد اعتدنا أن نحتفل بالموارد الظاهرة، ذهب ومعادن وأراضٍ شاسعة، ونسينا المورد الخفي الذي يصنع من التراب حياة. الكفاءة في وطني تشعر أنها عبء، أنها غير مرئية، تُقاس قيمتها ليس بما تعرف، بل بمن تعرف. تُكافأ الولاءات قبل الكفاءات، وتُفتح الأبواب لمن يملك الواسطة، وتُغلق في وجه من يملك الشهادة والخبرة والتفاني. فكيف لا يرحل من أفنى عمره في التحصيل ليجد نفسه على هامش المشهد، يراقب كيف يتقدم من هو أقل منه علماً وأكثر منه قرباً؟
ويرحلون لأن الأمان غائب، ليس أمان الرصاص وحده، بل أمان المستقبل. كيف يستقر قلب طبيب أو مهندس وهو لا يعلم هل سيجد راتباً آخر الشهر يكفي قوت عياله، هل سيجد مدرسة تليق بأطفاله، هل سيجد علاجاً لأمه إن مرضت؟ إنهم يبحثون عن وطن يحمي أحلامهم، لا وطن يطلب منهم أن يضحوا بأحلامهم كل يوم. في الخارج يجدون التقدير الذي حُرموا منه، يجدون نظاماً يحترم الوقت والجهد، يجدون مقابلاً عادلاً لعرقهم، فيزهرون. نحن لسنا شعباً كسولاً، نحن شعب إذا وجد البيئة أبدع، وإذا وجد التقدير أتقن، والدليل أننا ننمي دولاً بأكملها بسواعدنا، بينما وطننا يئن من نقص سواعدنا.
وإن أردنا أن نعيد أبناءنا، فإن الأمر لا يحتاج إلى مؤتمرات فخمة وشعارات جوفاء، بل يحتاج إلى قرار شجاع بأن نتصالح مع أنفسنا. إن عودتهم لن تكون بنداء عاطفي في نشرة الأخبار، بل بوطن يستحق العودة. وطن يعيد للوظيفة هيبتها، فيجعل معيارها الكفاءة لا القبيلة ولا الحزب. وطن يقدّر العلم براتب يحفظ الكرامة، وبيئة عمل تحفظ الشغف، ومعامل ومستشفيات وجامعات تليق بعقولهم. وطن يضمن لهم الأمان، ليس فقط أمان الجسد من الحرب، بل أمان الروح من الخوف على الغد. وطن يفتح لهم نافذة للمشاركة في القرار، فيشعرون أنهم شركاء في البناء لا مجرد موظفين ينتظرون التعليمات.
أعيدوا للكفاءات كرامتها، فتعود. أعيدوا لها الأمل، فتعود. فوالله ما هاجر أحدنا كارهاً لهذا التراب، بل هاجرنا وقلوبنا معلقة به، نبكيه في الغربة كل يوم، ونتمنى لو أن الوطن كان حضناً يتسع لنا بدلاً من أن يكون حزناً يضيق بنا.
meehad74@gmail.com
الثورة التي نريدها
هل شهد السودان بعد استقلاله ثورات أم مظاهرات ركبت على ظهرها بعض التيارات السياسية؟ 🔥🔥🔥🔥🔥🔥 …





