‫الرئيسية‬ مقالات حين يتلو القرآن على روح الراحلين…. وفاءٌ لأحمد الجيلاني (صلاح) في مسجد د. عون الشريف 
مقالات - ‫‫‫‏‫44 دقيقة مضت‬

حين يتلو القرآن على روح الراحلين…. وفاءٌ لأحمد الجيلاني (صلاح) في مسجد د. عون الشريف 

بقلم / عبد الكريم ابراهيم

في حضرة القرآن ، حيث تهدأ النفوس وتسمو الأرواح ، وحيث يصبح الدعاء لغةً للوفاء ، اجتمعت أسرة مسجد د. عون الشريف قاسم بحلفاية الملوك ، مساء الاثنين 5 أكتوبر 2026م ، في مجلس إيماني عامر بتلاوة كتاب الله ، أُهدي ثواب ختمته إلى روح الراحل المقيم الأستاذ أحمد الجيلاني محمد عباس (صلاح) ، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى بدولة الإمارات العربية المتحدة الأربعاء 23 سبتمبر 2026م ، مخلفاً وراءه حزناً عميقاً في نفوس أهله وأقاربه وأصدقائه وزملائه وتلاميذه وكل من عرفه واقترب منه .

كانت أمسية وفاء ، وامتزج فيها ألم الفقد بجمال الذكر ، واجتمعت فيها القلوب على الدعاء لرجل لم يكن حضوره في حياة الناس عابراً ، وإنما ترك أثراً طيباً ومواقف لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاشوا بالقرب منه أو عرفوه عن كثب .

وأقيمت هذه الفعالية برعاية وتنظيم الخليفة عبد القيوم الجيلاني ، شقيق الفقيد ، وبمشاركة ورعاية الخليفة ناطم أبو الفتح موسى العاقب ، لتأتي المناسبة في صورة تليق برجل كان الخير أحد عناوين سيرته ، حيث علاقته بالناس قائمة على المحبة والتكافل والإيثار وصلة الأرحام وحسن الجوار .

ولعل أجمل ما اختير لتكريم الراحل أن يكون القرآن الكريم هو الحاضر الأول في مجلس الوفاء ، فالقرآن كان دائماً كتاب الهداية والرحمة ، وتلاوته من الأعمال التي تسمو بالروح وتربط الإنسان بخالقه ، ولذلك جاءت الختمة المهداة إلى روح الفقيد محملة بمعانٍ تتجاوز الكلمات ، وتقول إن المحبة الصادقة للراحلين يمكن أن تتحول إلى دعاء وعمل صالح وذكر طيب .

وقد اشتملت الفعالية ، إلى جانب تلاوة ختم القرآن الكريم ، على محاضرة قيمة عن فضل القرآن الكريم وتلاوته وحفظه قدمها الدكتور محمود إبراهيم ابن اخت الفقيد ، تناول فيها مكانة القرآن في حياة المسلم ، وفضل تلاوته وحفظه وتدبره ، وما يتركه كتاب الله من أثر في تهذيب النفس وتقويم السلوك وبناء المجتمع على قيم الرحمة والتراحم والتكافل .

وكان لهذه المحاضرة وقع خاص في مناسبة استحضرت سيرة رجل ارتبط في وجدان من عرفوه بحلقات التلاوة وأعمال الخير ، وبحرصه على أن يكون القرآن حاضراً في حياة الناس ، ليس تلاوة فحسب ، وإنما سلوكاً وممارسة وقيمةً أخلاقية .

كما قدم الباشمهندس ألفا هاشم كلمة عدد فيها مآثر الفقيد ، استعاد فيها جوانب من سيرته ومواقفه التي جعلت منه شخصاً محبوباً بين أهله وأصدقائه وزملائه وتلاميذه ، وتوقف بصورة خاصة عند ما عُرف عنه من التكافل والإيثار ، والمساهمة في أعمال الخير ، والاهتمام بحلقات التلاوة ، ومواصلة صلة الأرحام ، والحرص على حقوق الجار، وهي قيم لم تكن مجرد شعارات في حياته ، وإنما ممارسات وسلوكاً عرفه به من حوله .

ولأن الإنسان لا يُقاس بعدد سنوات عمره ، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين ، فقد بدا الحديث عن أحمد الجيلاني (صلاح) في هذه المناسبة حديثاً عن أثر باقٍ لا عن غياب فقط ، فكم من موقف طيب يبقى في الذاكرة ، وكم من يد امتدت بالخير في صمت ، وكم من صلة رحم حُفظت ، وكم من جار أُكرم ، وكم من محتاج وجد من يقف إلى جانبه ، وكلها صور من الحياة لا تنتهي بانتهاء صاحبها ، بل تظل شاهدة له بين الناس .

لقد كان الحزن على رحيل الفقيد عميقاً ، وهذا أمر طبيعي حين يغيب شخص ترك محبة حقيقية في القلوب . غير أن مجلس القرآن جعل من الحزن باباً إلى الرجاء ، ومن الفقد مناسبة لاستحضار ما هو أجمل في سيرة الراحل ، وكأن الحاضرين يقولون إن الذين نحبهم لا يغيبون تماماً ما دام أثرهم حاضراً فينا ، وما دامت أعمال الخير التي أحبوها مستمرة من بعدهم .

وفي المجتمع السوداني ، تظل صلة الرحم وإكرام الجار والتكافل والوقوف مع الناس في أفراحهم وأتراحهم من أعمق القيم التي تحفظ تماسك المجتمع ، وقد جاءت سيرة أحمد الجيلاني (صلاح) في حديث من عرفوه لتجسد جانباً من هذه القيم ، ولذلك كان رحيله موجعاً ، وكان الوفاء له واجباً في نفوس محبيه ، وكانت هذه الختمة القرآنية إحدى أجمل صور ذلك الوفاء .

إن أجمل ما يمكن أن يقدمه الأحياء لمن رحلوا أن يحافظوا على القيم التي أحبوها ، وأن يواصلوا دروب الخير التي ساروا فيها ، وأن يجعلوا من ذكراهم باعثاً على فعل الخير لا مجرد استعادة للحزن ، وهكذا يصبح الراحل حاضراً في كل عمل صالح يُنجز ، وفي كل رحم تُوصل ، وفي كل جار يُكرم ، وفي كل محتاج تُمد إليه يد العون ، وفي كل مجلس قرآن يجتمع فيه الناس على الخير .

ومن مسجد د. عون الشريف قاسم بحلفاية الملوك ، كان المشهد أكثر من ختمة قرآن ، كان رسالة وفاء صادقة ، ومجلساً للدعاء ، واستعادة لسيرة رجل أحب الناس وأحبوه ، وأراد أن يكون الخير حاضراً في حياته وبين من حوله .

رحل الأستاذ أحمد الجيلاني محمد عباس (صلاح) ، وبقيت سيرته بين أهله وأصدقائه وزملائه وتلاميذه ، وبقيت مآثره تتردد في مجالس المحبين ، وبقيت أعمال الخير التي شارك فيها شاهدة على ما كان عليه من إيثار وتكافل وصلة للرحم ورعاية لحق الجار .

نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ، وأن يجعل القرآن الكريم نوراً له في قبره ، وشفيعاً له يوم القيامة ، وأن يجعل كل ما قدمه من خير وإحسان وعطاء في ميزان حسناته ، وأن يجعل هذه الختمة المباركة والدعوات الصادقة رحمةً وثوابا تصل إليه ، وأن يلهم أهله وذويه وأصدقاءه وزملاءه وتلاميذه الصبر وحسن العزاء .

رحم الله أحمد الجيلاني (صلاح) ، فقد غاب الجسد ، وبقي الأثر ، وغاب الصوت ، وبقيت السيرة ، وانتهت رحلة العمر ، وبقي الخير الذي زرعه في قلوب الناس شاهداً له ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

‫شاهد أيضًا‬

الثورة التي نريدها

هل شهد السودان بعد استقلاله ثورات أم مظاهرات ركبت على ظهرها بعض التيارات السياسية؟ 🔥🔥🔥🔥🔥🔥 …