‫الرئيسية‬ مقالات قراءة في سيكولوجية القهر: كيف حفر مصطفى حجازي في جذور التخلف السياسي بقلم قريب الله العوض
مقالات - أكتوبر 6, 2025

قراءة في سيكولوجية القهر: كيف حفر مصطفى حجازي في جذور التخلف السياسي بقلم قريب الله العوض

يظل كتاب “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي مرجعاً تأسيسياً في فهم التشابك المعقد بين النفسي والسياسي، حيث يقدم تحليلاً ثورياً يخرج فيه من النظرة الاقتصادية الضيقة للتخلف إلى رحابة السيكولوجية الإنسانية في علاقتها بالسلطة بمفهومها الشامل. لا ينفصل القهر السياسي في هذه الرؤية عن شبكة العلاقات الاجتماعية التي تنتجه وتعيد إنتاجه، فالحاكم المستبد ليس سوى قمة هرم من القهر الذي يتخلل الأسرة والمدرسة ومكان العمل، ليصبح نمط وجود يمارسه الجميع على الجميع. في هذه الدائرة المفرغة يتحول الإنسان إلى ضحية وجلاد في آن واحد، ضحية للقهر الواقع عليه من الأعلى، وجلاد يمارس القهر على من هو أدنى منه في السلم الاجتماعي.

 

يضيء حجازي على الآليات النفسية التي تمكن هذه المنظومة من الاستمرار، فالإنسان المقهور لا يخضع فقط لسلطة الخارج، بل يخضع أيضاً لسلطة الداخل، حيث تستقر عقد النقص والدونية في لاوعيه فتصبح جزءاً من هويته. هنا تتحول التبعية من حالة قسرية إلى خيار نفسي، فيتماهى المقهور مع القاهر ويتبنى قيمه ويصبح شريكاً في تدعيم نظام القهر. هذه الآلية النفسية – آلية التماهي مع المعتدي – تفسر لماذا تظل المجتمعات المتخلفة تدور في حلقة مفرغة، حيث يصبح التحرر خطراً على الهوية نفسها، فيتمسك الإنسان بقيده لأنه أصبح جزءاً من كيانه.

 

ولا يغيب عن تحليل حجازي دور العنف كأحد التجليات الأساسية لهذه السيكولوجية المقهورة، فالعنف هنا ليس مجرد رد فعل على القهر، بل هو لغة وحيدة يتقنها من حُرِم من وسائل التعبير الأخرى. لكنه عنف عشوائي، عنف يفتقر إلى الوعي والتنظيم السياسي، فيتحول إلى تخريب داخلي بدلاً من أن يكون تحرراً حقيقياً. وهكذا تتحول الطاقة الثورية إلى طاقة تدميرية، ليس لأن المقهورين يجهلون فنون التنظيم فحسب، بل لأنهم في أعماقهم لا يؤمنون بإمكانية التغيير.

 

وتكتمل الصورة عندما ينتقل حجازي إلى موقع المرأة في هذه المعادلة، ففي تشريحه لوضع المرأة في المجتمعات المتخلفة يقدم نموذجاً صارخاً للإنسان المزدوج القهر، قهر من النظام الذكوري وقهر من النظام الاجتماعي الأوسع. فالرجل الذي يُقهر في الخارج يعود إلى بيته ليقهر المرأة، وكأنها أصبحت المساحة الوحيدة التي يمكنه فيها ممارسة سلطة ما. وهكذا تتحول المرأة إلى حاملة لجميع رغبات التحرر المعطلة وأيضاً لكل أشكال القهر المتراكمة، فتغدو سجينة وسجانة في الوقت ذاته.

 

يخلص حجازي إلى أن التخلف السياسي ليس مجرد سوء إدارة أو فساد في الحكم، بل هو بنية نفسية عميقة تتغذى على الخوف من الحرية والارتياب من التغيير. والثورة الحقيقية عنده ليست مجرد تغيير في رموز السلطة، بل هي عملية نفسية وجودية عميقة يتعلم فيها الإنسان أن يتحرر من خوفه أولاً، أن يستعيد ثقته بقدراته، وأن يبني علاقة جديدة مع السلطة لا تقوم على الخضوع ولا التماهي بل على المسؤولية والمشاركة. وهكذا يظل كتاب التخلف الاجتماعي ليس مجرد تشخيص لواقع مرير، بل إضاءة على طريق الخلاص، طريق يبدأ من تحرير النفس الإنسانية من داخلها قبل أن تتحرر من خارجها.

‫شاهد أيضًا‬

الفور وعبرة طائر “الدودو”

في سِجلَّاتِ النُّشوءِ والارتقاء، لم تكن مأساةُ “طائرِ الدُّودو” مجردَ فاجعةٍ …