‫الرئيسية‬ مقالات نقطة إرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:السودان الجريح بين وهم التسامح وحقيقة الضغينة
مقالات - أكتوبر 10, 2025

نقطة إرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب:السودان الجريح بين وهم التسامح وحقيقة الضغينة

أن تقول إنك سامحت بينما قلبك مازال يحمل ثقل الألم وعقلك يتذكر تفاصيل الجرح فذلك ليس تسامحاً بل ضغينة تتوارى خلف كلماتٍ مهزوزةٍ تتبعثر على أطراف اللسان لتوهمك بأنك تجاوزت وأنك نسيت بينما الحقيقة أنك مازلت تتألم

 

هذا هو حال السودان اليوم وطنٌ يحاول أن يتعافى من حربٍ مزقت نسيجه الاجتماعي وأعادت إنتاج الكراهية في صورٍ أكثر تعقيداً من ذي قبل فالحرب لم تكتفِ بقتل الأبرياء وتدمير المدن بل زرعت في النفوس بذوراً من الحقد يصعب اقتلاعها حتى بعد توقف إطلاق النار.

 

في الأحياء التي كانت يوماً ما متجاورةً ومتآلفةً بات الجار يخشى جاره والمواطن يرتاب من لهجته أو ملامحه أو انتمائه القبلي فالحرب لم تكن حرب عادية بل حرب مدمره واطماع اجنبية وبمساعدةبعض سياسي الداخل وبرواياتٍ متضاربةٍ عن من هو الوطن ومن يستحق أن ينتمي إليه.

 

الضغائن التي خلفتها الحرب لا تُشفى بالتصريحات ولا تُمحى بالاتفاقيات بل تحتاج إلى مصارحةٍ وطنيةٍ شجاعةٍ تعترف بأن ما حدث لم يكن مجرد صراعٍ على السلطة بل انهيارٌ أخلاقيٌ واجتماعيٌ عميقٌ جعل من التسامح شعاراً فارغاً لا يسنده شعورٌ حقيقيٌ بالصفح.

 

في السودان اليوم لا يكفي أن نقول إننا سامحنا بل يجب أن نسأل أنفسنا هل تجاوزنا هل استطعنا أن نرى الآخر دون أن نستدعي صور الدم والدمار والنهب والسرقة والاغتصاب هل يمكن أن نعيد بناء الثقة في وطنٍ باتت فيه كل علاقةٍ مشروطةً بالخوف وكل مصافحةٍ محاطةً بالريبة.

 

التسامح الحقيقي لا يولد من فوق ركام الحرب بل من مواجهةٍ صادقةٍ مع الذات ومن اعترافٍ جماعيٍ بأننا جميعاً خسرنا وأن الوطن لا يُبنى على أنقاض النفوس المحطمة بل على إرادةٍ حقيقيةٍ للشفاء.

 

السودان لا يحتاج إلى تسامحٍ زائفٍ بل إلى عدالةٍ ترمم الجراح وذاكرةٍ لا تنكر الألم ومصالحةٍ لا تُفرض من فوق بل تنبع من قاع المعاناة ومن عمق التجربة التي عاشها كل سودانيٍ في زمنٍ صار فيه الألم لغةً مشتركةً بين الجميع لغةً لا تُترجم بالكلمات بل تُحس في النظرات وتُقرأ في وجوهٍ أنهكها الحزن وقلوبٍ لم تعد تعرف الطمأنينة.

 

إن ما خلفته الحرب من ضغائن لا يُمحى بتوقيع اتفاقٍ ولا يُعالج بخطابٍ سياسيٍ منمق بل يحتاج إلى مشروعٍ وطنيٍ صادقٍ يعيد بناء الإنسان قبل أن يعيد بناء الحجر يعيد الثقة بين أبناء الوطن الواحد ويزرع فيهم اليقين بأن السودان يسع الجميع وأن الكرامة لا تُمنح بل تُصان.

 

فالتسامح ليس أن ننسى بل أن نواجه الحقيقة ونحتضنها ونحولها إلى قوةٍ تدفعنا نحو مستقبلٍ لا يشبه الماضي ولا يعيد إنتاجه بل يفتح أبواباً جديدةً للعيش المشترك والاحترام المتبادل والعدالة التي لا تُفرق بين أحد.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حملة أمنية لضبط الظواهر السالبة بالدبة

بدأت صباح اليوم الأربعاء حملة أمنية شاملة لمحاربة الظواهر السالبة بمدينة الدبة ، شاركت فيه…