حديث الساعة الهام سالم منصور من الذي يُحاكم الدعم السريع مع توفر الأدلة الكاملة؟

منذ اندلاع الحرب في السودان، والعالم يشاهد مشاهد مروّعة من العنف والانتهاكات التي طالت المدنيين في مختلف الولايات، لكن تبقى مدينة الفاشر — حاضرة شمال دارفور — الجرح الأكبر، والمأساة الأعمق، والوجه الأبشع لجريمة العصر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.
فما حدث في الفاشر لم يكن معركة بين قوات متحاربة فحسب، بل إبادة جماعية مكتملة الأركان، استهدفت الإنسان السوداني في وجوده وكرامته وهويته.
مجزرة الفاشر.. عندما صمت العالم
الفاشر كانت رمزًا للتنوع والتعايش، لكن قوات الدعم السريع حولتها إلى مدينة للأشباح والدمار.
خلال أسابيع قليلة فقط، سقط مئات القتلى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، في عمليات قصف عشوائي واغتيالات ممنهجة، وجرٍّ قسري من المنازل، ونهب للممتلكات، وحرق للأحياء السكنية.
شهادات الناجين وتقارير المنظمات الإنسانية وثّقت مشاهد مروعة:
دفن جماعي لعشرات الجثث في ضواحي المدينة دون هوية.
اغتصاب النساء والفتيات في المدارس والمستشفيات التي تحولت إلى ثكنات عسكرية.
تدمير المستشفيات والمراكز الطبية وقتل العاملين الصحيين أثناء أداء واجبهم.
استهداف القيادات الأهلية والمجتمعية في محاولة تمزيق.النسيج الاجتماعي لدارفور.
هذه ليست تجاوزات ميدانية، بل خطة إبادة متعمدة، أُريد بها تركيع إقليم بأكمله وإرسال رسالة رعب لبقية السودان.
جرائم موثقة بالأدلة
اليوم تتوافر أدلة دامغة — صورًا، وفيديوهات، وشهادات منظمات، وتقارير أممية — توثق كل ما جرى في الفاشر ومناطق دارفور الأخرى.
وقد أكدت بعثة الأمم المتحدة وعدة منظمات دولية، منها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، أن تلك الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وقد تصل إلى الإبادة الجماعية حسب توصيف القانون الدولي.
هذه الأدلة تمثل حجر الزاوية في أي عملية محاسبة قادمة، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أمام محاكم سودانية وهجينة مستقبلًا.
من الذي يُحاكم الدعم السريع؟
مع توفر كل هذه الأدلة، يبقى السؤال المطروح: من الذي سيُحاكم الدعم السريع؟
1. المحكمة الجنائية الدولية
هي الجهة الأقدر على محاسبة قادة الدعم السريع، خاصة بعد أن أعلنت عن فتح تحقيقات جديدة حول الجرائم المرتكبة في دارفور.
المدعي العام “كريم خان” أكد أن الأدلة التي وصلته “مفزعة” وأن العدالة لن تتوقف أمام حدود سياسية أو عسكرية.
الجرائم في الفاشر وحدها كفيلة بإدانة قادة كبار بتهم الإبادة والقتل الجماعي والتهجير القسري.
2. العدالة الوطنية
رغم ضعف القضاء بسبب الحرب، إلا أن السودان بعد استقراره يجب أن يُنشئ محاكم خاصة للجرائم ضد الإنسانية، حتى يعرف العالم أن السودان قادر على محاسبة الجناة بنفسه.
فلا سلام بلا عدالة، ولا مصالحة دون محاسبة.
3. العدالة الدولية والآليات الخاصة
يمكن لمجلس الأمن أو الأمم المتحدة إنشاء محكمة هجينة للسودان، تجمع بين القانون السوداني والدولي، مثل تجربة سيراليون.
كما يمكن لبعض الدول التي تسمح قوانينها بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية (بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية) أن تلاحق المتورطين حال دخولهم أراضيها.
الجرائم في الفاشر ليست حادثة عابرة
إن ما حدث في الفاشر وصمة عار في جبين الإنسانية.
هي جريمة يجب ألا تُنسى، ولا تُمرر تحت أي شعار سياسي أو تفاوضي.
لقد سالت دماء الأبرياء بلا ذنب، وتم تدمير مدينة بأكملها في زمن صمت فيه العالم واكتفى بالبيانات الخجولة.
التاريخ لن يرحم من صمت، ولن يغفر لمن تواطأ أو برر.
فالأدلة اليوم ليست أوراقًا، بل صرخات أمهات، وجثث أطفال، ودموع نازحين يبحثون عن وطنهم المفقود.
نداء إلى الضمير الإنساني
إلى كل المنظمات الدولية، إلى مجلس الأمن، إلى المحكمة الجنائية، وإلى كل من يؤمن بالعدالة في هذا العالم:
الفاشر تناديكم.
أوقفوا الصمت، وانهوا زمن البيانات العقيمة.
افتحوا الملفات، اجمعوا الأدلة، وابدؤوا بمحاكمة كل من تلطخت يداه بدماء الأبرياء.
إلى الضمير الإنساني العالمي نقول:
لا تجعلوا من الفاشر مجرد خبر عابر في نشرات المساء،
بل اجعلوها قضية ضمير لا تموت، لأن من ماتوا فيها بشرٌ يستحقون الحياة والعدالة.
ولأهالي الفاشر ودارفور نقول:
دماؤكم لن تضيع، وصوتكم سيظل يملأ الأفق.
ستُكتب عدالتكم قريبًا بحبرٍ من نور، مهما حاولوا طمس الحقيقة أو شراء الصمت.
فالتاريخ شاهد، والله أكبر من الظلم، والعدالة آتية لا محالة.
السبت 8نوفمبر 2025
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





