‫الرئيسية‬ مقالات حديث الساعة الهام سالم منصور السودان… حين يتحول التعليم إلى استثمار أعمى وتضيع الثروات بين مطامع الدول والانقسام
مقالات - نوفمبر 17, 2025

حديث الساعة الهام سالم منصور السودان… حين يتحول التعليم إلى استثمار أعمى وتضيع الثروات بين مطامع الدول والانقسام

يعيش المواطن السوداني اليوم واقعاً اقتصادياً قاسياً فُرض عليه بفعل حربٍ مستمرة لما يقارب الثلاثة أعوام؛ حربٌ سلبت منه الأمن والرزق والديار، ودفعت به إلى حياة ضيقة قاسية مليئة بالنزوح واللجوء وفقدان مصادر العيش. وبرغم كل هذا الألم، ظل المواطن صابراً، يقاوم، ويبحث عن نافذة أمل تُعيد إليه كرامة العيش.

وفي قلب هذه المعاناة، يقف جيل التعليم العالي في مواجهة مصير مجهول.
هؤلاء الشباب الذين عاشوا تجربة تعليمية لا تشبه أي زمن: جامعات أغلقت، مدارس تهدمت، فصول دراسية تحولت إلى خيام نزوح، وأسر فقدت القدرة على توفير حتى الحد الأدنى من احتياجات التعليم. ومع ذلك… قاوموا ونجحوا وتفوّقوا رغم الظروف.

لكن فرحتهم اصطدمت بواقع قاسٍ آخر.

عراقيل ما بعد النجاح… ضياع الفرص في الداخل والخارج

بعد جهد مضنٍ، واجه الطلاب جملة من الصدمات:

غياب الاستيعاب الكافي لهم في الدول التي لجؤوا إليها.

عدم اعتراف المؤسسات الخارجية بظروف الحرب التي عاشوها.

صعوبة تسوية ملفاتهم التعليمية بسبب الإجراءات.

انعدام البرامج الخاصة التي تراعي الطلاب المتضررين.

فتحول التفوق إلى حيرة وضياع، وكأن الحرب تلاحقهم حتى بعد النجاح.

الجامعات السودانية… عندما يتحول التعليم إلى سوق استثماري

ما كان متوقعاً أن تكون الجامعات ملاذاً آمناً للطلاب في زمن الحرب، لكنها تحولت — للأسف — إلى منصات استثمارية تتعامل بمنطق المال لا بمنطق الواجب الوطني.

فقد شهدت الساحة الجامعية:

ارتفاعاً غير مسبوق في الرسوم.

لوائح لا تراعي الظروف الاقتصادية للمواطن.

تعاملات تجارية جافة خالية من الدعم.

غياب أي خطة تخفيفية للطلاب المتضررين من الحرب.

لتصبح الجامعات السودانية وكأنها شركات جباية، لا مؤسسات تربوية.

سؤال مشروع… أين توجَّه الخبرات الاقتصادية؟

إذا كان لدينا خبراء يستطيعون وضع هذه السياسات الاستثمارية القاسية في التعليم، فلماذا لا تُوجَّه هذه الخبرات نحو ثروات السودان الهائلة التي تُنهب بلا رقيب؟

السودان بلد غني بموارده:

ذهب يخرج من البلاد بلا رقابة.

معادن تُهرَّب بلا مساءلة.

ثروة حيوانية تُهدر على الحدود.

آلاف الأفدنة الزراعية بلا استثمار حقيقي.

موارد طبيعية تُباع بثمن بخس.

أين هي رؤى الاستثمار في هذه الثروات؟
ولماذا يصبح الطالب — لا الموارد — هو الخيار الأسهل لسد الفجوات الاقتصادية؟

الاستثمار الحقيقي… في الثروة والإنسان لا في الرسوم

الاستثمار الحقيقي يبدأ من:

إدارة موارد السودان بشفافية.

استعادة الثروات المنهوبة.

بناء اقتصاد إنتاجي لا يعتمد على الرسوم.

دعم الطالب لأنه مستقبل الدولة لا عبء عليها.

إعادة التعليم إلى رسالته الوطنية بعيداً عن منطق الربح.

إن الطالب الذي نجح رغم الخراب لا يُعاقب برفع الرسوم، بل يُكرّم بدعم تعليمه.

لمن يهمهم أمر طلاب التعليم العالي

إلى كل صاحب قرار، إلى كل من بيده القلم والسلطة والتأثير…
إن طلاب التعليم العالي اليوم ليسوا مجرد أرقام في دفاتر الجامعات، ولا رسوماً تنتظر التحصيل.
هؤلاء هم قلب السودان النابض، هم المستقبل الذي سيُبنى عليه الوطن غداً، وهم الجسر الذي سيعبر عليه السودان نحو الاستقرار والتنمية.

فإن كنتم حقاً ممن يهمهم أمر الطلاب…
فاعلموا أن التعليم ليس ساحة استثمار، بل رسالة، وواجب، وأمانة.
والطالب الذي قاوم الحرب والنزوح وحمل كتبه وسط الركام، لا يستحق أن يتعثر الآن بسبب رسوم لا ترحم أو سياسات لا تراعي.

نحن لا نطلب معجزات…
نطلب فقط عدالة تعليمية، وتسهيلات واقعية، ونظرة إنسانية تُنصف هذا الجيل الذي دفع ثمن الحرب من عمره ومستقبله.

إلى كل مسؤول، وإلى كل جامعة، وإلى كل جهة تعليمية أو دبلوماسية:
قفوا مع هذا الجيل، افتحوا له الطريق، فهو الطريق الذي سيُعيد بناء السودان من جديد.

وإن كان الوطن قد نزف من الحرب، فإن أكثر ما ينزفه اليوم هو ضياع عقول شبابه… فإما أن ننقذ طلابنا الآن، أو نخسر غد السودان إلى الأبد.

الاثنين 17 نوفمبر2025

‫شاهد أيضًا‬

_المبادئ الأساسية لاعادة صياغة الدولة السودانية

في ظل المتغيرات العالمية والتحديات التي تواجه السودان، لابد لنا من إعادة صياغة الدولة السو…