‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب: نزوح أهالي دارفور إلى الشمال بداية لشفاء الذاكرة الوطنية من رواسب الكراهية. (٢من ٢)
مقالات - نوفمبر 19, 2025

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب: نزوح أهالي دارفور إلى الشمال بداية لشفاء الذاكرة الوطنية من رواسب الكراهية. (٢من ٢)

ولكي تكتمل هذه اللحظة الوطنية الفارقة لا بد أن تتجه الدولة بكل مؤسساتها الخدمية والاجتماعية لالتقاط القفاز والدخول بثقلها وسط الوافدين من دارفور إلى الشمال عبر إجراء الدراسات الميدانية اللازمة وتشخيص الحالات الاجتماعية التي نشأت بفعل النزوح القسري والعمل على علاجها بطرق علمية وإنسانية تضمن التماسك المجتمعي وتمنع تراكم الأزمات النفسية والاجتماعية كما يجب أن تُستخلص الدروس والعبر مما حدث لتكون هذه التجربة منطلقاً لإعادة بناء السياسات الاجتماعية على أسس واقعية تستجيب لاحتياجات الناس وتُحصّن المجتمع من التصدعات المستقبلية وتعيد الاعتبار للإنسان السوداني كقيمة عليا في مشروع البناء الوطني.

 

وعلى وزارة التربية والتعليم أن تدخل بقوة إلى قلب هذه التحولات من خلال تصنيف الطلاب الوافدين وتحديد احتياجاتهم التعليمية والنفسية وإنشاء مدارس متنقلة وسط تجمعاتهم لضمان عدم انقطاعهم عن التعليم ودمجهم في المنظومة التعليمية الكلية للوطن بما يعزز شعورهم بالانتماء ويمنحهم فرصة متكافئة للنهوض والمشاركة في بناء السودان الجديد فالتعليم ليس مجرد خدمة بل هو جسر للاندماج ووسيلة لتفكيك العزلة وإعادة تشكيل الوعي الوطني على أسس من العدالة والمساواة والانفتاح على الآخر دون أحكام مسبقة أو رواسب تاريخية.

 

إن هذه اللحظة تتطلب من الجميع أن يرتقوا إلى مستوى التحدي وأن يدركوا أن بناء الوطن لا يتم فقط عبر تحرير الأرض بل أيضاً عبر تحرير العقول من رواسب الماضي وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس التجربة الحية لا على أساس التنميط والتضليل فالسودان اليوم أمام فرصة تاريخية ليكون وطناً يتسع للجميع ويُبنى بسواعد الجميع ويُحمى بوعي الجميع ويُدار بعقل جماعي يؤمن بأن التنوع ليس تهديداً بل مصدر قوة وأن الاختلاف لا يعني الانقسام بل هو مدخل للتكامل والتطور.

 

إن أهلنا القادمين من دارفور إلى الشمال لا يحملون فقط حقائب النزوح بل يحملون معهم فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين أبناء الوطن الواحد بعيداً عن الصور النمطية التي زرعتها النخب المأزومة في عقول البسطاء فحين يلتقي الناس وجهاً لوجه تسقط الأقنعة وتنكشف الحقائق ويبدأ الوعي في التشكل من جديد على أرضية إنسانية مشتركة لا تعرف الحقد ولا تتغذى على الكراهية.

 

فلنغتنم هذه اللحظة ولنحولها إلى نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث ولنُسهم جميعاً في بناء وطن لا يُقصي أحداً ولا يُشيطن أحداً وطن يُداوي جراحه بالحب ويُرمم شروخه بالتسامح ويُحصّن مستقبله بالوعي والعدالة والكرامة الإنسانية فالسودان لا يُبنى فقط بالسياسات بل يُبنى بالقلوب التي تؤمن به والعقول التي تحميه والأيادي التي تزرع فيه الخير وتدافع عنه في وجه كل من أراد له السقوط أو الانكسار.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…