‫الرئيسية‬ مقالات د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي    يكتب حكم المتمرد اذا وضع السلاح 
مقالات - نوفمبر 24, 2025

د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي    يكتب حكم المتمرد اذا وضع السلاح 

المقدمة

 

تُعدّ قضايا البغي والخروج المسلح من أعقد المسائل الفقهية؛ لما يترتب عليها من إراقة الدماء واضطراب الأمن. وقد عني الفقه الإسلامي ببيان أحكام البغاة وتوبتهم، وقرر قواعد فاصلة في تعامل الدولة معهم.

ومع الأزمة السودانية الراهنة بين القوات المسلحة السودانية (بوصفها السلطة الشرعية) وقوات الدعم السريع (وهي قوة خارجة على الدولة)، يصبح السؤال الآتي محورًا فقهيًا مهمًا:

 

ما حكم المتمرّد إذا ترك القتال طوعًا ووضع السلاح؟ وهل تسقط عنه العقوبات؟

 

يهدف هذا البحث إلى بيان الحكم الشرعي بأدلته، وتطبيقه على الحالة السودانية، مع الاستفادة من التجارب المعاصرة.

أولاً: التكييف الشرعي للجهات المتقاتلة في السودان

 

1) القوات المسلحة السودانية

تمثّل السلطة الشرعية المنصوص عليها دستورياً، والمتفق على كونها القوة النظامية الرسمية للدولة.

 

الحكم الشرعي:

تُعَدّ بمنزلة “الإمام” أو “ولي الأمر” في الفقه السياسي الإسلامي.

لها حقّ قتال البغاة حفظًا للنظام العام.

 

2) قوات الدعم السريع

قوة مسلحة تنازع الدولة سلطتها، وتحمل السلاح خارج الإطار النظامي.

 

الحكم الشرعي:

 

تُصنَّف فقهياً ضمن البغاة.

وهذا يشمل كل قوة تحمل السلاح ضد سلطة شرعية معترف بها.

 

الدليل:

قال تعالى:

﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾

(الحجرات: 9)

 

ثانياً: الأدلة الشرعية على قبول توبة المتمرّد

 

1) قوله تعالى:

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾

(المائدة: 34)

أمع المفسرون أنها تشمل المحاربين والبغاة.

قال الطبري: “هذا استثناء لمن رجع قبل القدرة عليه” (تفسير الطبري 10/226).

 

2) حديث النبي ﷺ:

«من جاء تائبًا قبل أن تقدروا عليه؛ فلا سبيل عليه»

– رواه أبو داود (حديث 4359)، والنسائي في السنن الكبرى (حديث 11240)، وصححه ابن حجر والألباني.

الدلالة:

سقوط العقوبة الحدية عن الباغي بالتوبة قبل القبض.

 

3) أثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“لا يُتْبَع مُدْبِرُهُمْ، ولا يُجْهَزُ على جريحهم، ولا يُقسم فيئهم”

– رواه عبدالرزاق في المصنف (حديث 18678)، والبيهقي في السنن الكبرى (8/176).

 

الدلالة:

قبول توبة البغاة، وعدم قتل من ترك القتال.

ثالثاً: أحكام المتمرّد إذا وضع السلاح (فقه البُغاة)

1) سقوط عقوبة البغي بالتوبة قبل القدرة عليه

قال ابن قدامة:

“ومن رجع عن البغي قبل القدرة عليه قُبلت توبته وسقطت عنه العقوبة”

المغني 10/52.

وقال الشافعي:

“إذا رجعوا وتركوا القتال فلا شيء عليهم”

الأم 4/158.

إذن: من وضع السلاح طوعًا قبل القبض عليه تُقبل توبته.

2) بقاء حقوق العباد (القصاص والديات)

اتفق الفقهاء أن:

جرائم القتل والنهب والاعتداء لا تسقط بالتوبة.

قال ابن تيمية:

“حقوق الآدميين لا تسقط بالتوبة، بل يُقتص لهم”

مجموع الفتاوى 28/531.

 

3) وجوب ردّ الأموال المنهوبة

قال الماوردي:

“ويلزم البغاة رد ما أخذوه”

الأحكام السلطانية ص 78.

 

4) شروط التوبة الصحيحة للباغي

 

1. تسليم السلاح للدولة.

 

2. مغادرة مواقع القتال.

 

3. قطع الارتباط العسكري بالمجموعة المقاتلة.

 

4. التعاون مع القضاء.

 

5. ردّ الحقوق.

رابعاً: تنزيل الأحكام على الحالة السودانية

إذا خرج مقاتل من الدعم السريع وسلّم سلاحه للقوات المسلحة السودانية طوعًا:

 

1) تُقبل توبته شرعًا

ولا يطبَّق عليه حدّ الحرابة أو حكم البغي.

 

2) يخضع للتحقيق

وللتأكد من عدم مشاركته في:

قتل المدنيين

الاغتصاب

النهب

تخريب الممتلكات

 

3) إن ثبتت عليه جرائم

يُحال للقضاء، وتقام عليه أحكام:

القصاص

الديات

التعويضات

 

4) إن لم يرتكب جرائم فردية

فلا يجوز شرعًا ولا قانونًا معاقبته.

 

5) له الحق في الاندماج ضمن برامج:

نزع السلاح

التسريح

التأهيل

إعادة الإدماج في المجتمع

أو الخدمة النظامية بعد الفحص

خامساً: التجارب المعاصرة في قبول توبة المتمرّدين

 

1) مالي

فتح باب التوبة

محاكمة مرتكبي الجرائم الكبرى

2) سيراليون

برنامج DDR

إعادة دمج المقاتلين

3) السعودية وبرامج المناصحة

قبول توبة المنضمين للقاعدة

محاكمة أصحاب الجرائم الكبرى

الجامع بينها:

عفو مشروط – تحقيق – عدالة – دمج مجتمعي.

سادساً: الخلاصة

 

1. القوات المسلحة السودانية سلطة شرعية.

 

2. الدعم السريع قوة باغية فقهًا.

 

3. إذا وضع المتمرّد سلاحه طوعًا قبل القبض عليه:

تسقط عنه عقوبة البغي.

ولا تسقط عنه جرائم القتل والاعتداء.

 

4. التوبة باب لمن لم تتلطخ يداه بالدماء.

 

5. العدالة توازن بين أمن الدولة وحقوق الضحايا.

الخاتمة

أثبت الفقه الإسلامي حكمةً بالغة في معالجة التمرّد المسلح؛

بعفوٍ يُعيد المقاتلين لأحضان المجتمع،

وعدالةٍ تحفظ للضحايا حقوقهم،

وهيبةٍ للدولة لتمنع تكرار الفتنة.

وهذا المنهج الشرعي هو الأقرب لواقع السودان اليوم، وهو الأسلم لإطفاء نار الحرب وتحقيق السلم الأهلي.

‫شاهد أيضًا‬

توازن القوى ….الحرب الايرانية الإسرائيلية         ليس هناك مكان للصدف

وانتم تقراءون هذا المقال لابد ان تكونوا مدركين لمعني مقولة لست هنالك مكان للصدفة في السياس…