‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب: تعلمنا وتألمنا من الحرب في السودان
مقالات - نوفمبر 28, 2025

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي  يكتب: تعلمنا وتألمنا من الحرب في السودان

تعلمنا وتألمنا من حربٍ لم تبقِ ولم تذر حربٌ كشفت وجوهاً كانت تتخفى خلف الأقنعة وأسقطت أقنعة كانت تُباع على أنها وجوهرها من ورق تعلمنا أن مجلس الأمن الدولي ليس أكثر من نادٍ مغلق لعصابة دولية تتقاسم النفوذ وتوزع الموت على الشعوب باسم القانون الدولي الذي لم يكن يوماً سوى حبرٍ على ورق وأن شِرعة حقوق الإنسان نكتة بايخة لا تضحك أحداً سوى من كتبها.

 

تألمنا من النزوح والتشريد من فواجع الأقارب من البيوت التي تحولت إلى ركام من الأمهات اللواتي ودعن أبناءهن على عتبات الخيام من الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم وبلغوا مبلغ الرجال قبل أن يتعلموا كيف يتهجون أسماءهم.

 

تعلمنا أن هذا العالم أعور يرى ما يريد أن يرى ويغض الطرف عما لا يخدم مصالحه يبصر بنصف عين ويتعامى عن الغبار الكثيف على سفوح الجبال وعن الدماء التي تسيل في الأزقة وعن الأجساد التي تُسحب من تحت الأنقاض.

 

تألمنا من ظلم ذوي القربى من حكومات عربية وأفريقية لم تقف في وجه الظلم ولم ترد العدوان بل صمتت وبعضها تواطأ وبعضها تاجر بالدم السوداني وكأننا لا نستحق الحياة إلا بإذنٍ من الخارج.

 

تعلمنا أن الحق لا يُستجدى بل يُنتزع وأن من أراد شيئاً عليه أن يمد يده ويأخذه رغماً عن العالم لأن العالم لا يحترم إلا القوي ولا يصغي إلا لمن يفرض احترامه بالفعل لا بالرجاء.

 

تألمنا من حكومة أبوظبي التي بدلاً من أن تشحن الغذاء والدواء والكساء شحنت السلاح والمرتزقة والموت دعماً لمليشيا لا تعرف من الوطن سوى اسمه ولا من الشعب سوى أنه عائق أمام مشروعها.

 

تعلمنا أن من يريد يستطيع وأن المسألة لم تكن يوماً مسألة إمكانيات بل إرادة من كان يتخيل أن تُحاصر المدن الكبرى وأن تُحاصر القيادة في دائرة لا تتجاوز خمسمائة متر ثم يصنع الرجال سلاحهم ويقاتلون به ويُدهشون أحبابهم قبل أعدائهم.

 

تألمنا من من كنا نظنه خيراً لنا فإذا به شراً يريد دمارنا ويعمل على تفكيكنا باسم الشراكة وهو لا يعرف من الشراكة إلا ما يخدم مصالحه.

 

تعلمنا أن نحترم النعم أن شربة الماء النظيف حلم والرغيف الطازج إنجاز والاستحمام رفاهية تشبه التمدد على شواطئ المالديف وأن البيت الصغير جداً أثمن من قصور الدنيا ما دام لم يسقط على رؤوس ساكنيه.

 

تألمنا أن حكومة أبوظبي قطعت اليد التي امتدت لها والتي كانت سبباً في نهضتها فجازت الإحسان بالخيانة وردت المعروف بالغدر.

 

تعلمنا أن أشباه الصحابة يعيشون بيننا أحفاد خالد بن الوليد يقتحمون صفوف الأعداء بشراسة وأحفاد سعد بن أبي وقاص يرمون بدقة وأحفاد عكرمة ما زالوا يتبايعون على الموت وأحفاد القعقاع صوتهم في الجيش يخلع القلب من مكانه سمعناهم يقولون باسم الله ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.

 

تألمنا من بعض دول الجوار الأفريقي التي فتحت أراضيها لمرور السلاح والمرتزقة إلى المليشيا لتفتك بالشعب السوداني وتزيد من نزيفه.

 

تعلمنا أن الخنساء لم تمت وأن آلاف النسخ منها ما زلن يعشن بيننا يقدمن أبناءهن في سبيل الله صابرات محتسبات ولسان حالهن اللهم خذ من دماء أولادنا حتى ترضى.

 

تألمنا حين جاء بعض الجنود للتعزية فوجدوا أم الشهيد تعزيهم وتواسيهم وتشد على أيديهم وتقول لهم لا تبكوا بل أكملوا الطريق.

 

تعلمناأن الأطفال إذا ربتهم المصاعب كبروا قبل أوانهم وصاروا رجالاً قبل أن يكتمل وعيهم وكأنهم صبي الأخدود الذي أحيا دمه أمةً مؤمنة أُحرقت ولم ترتدّ.

 

تألمنا من أن نرى الأطفال يُقتلون أمام أمهاتهم والمرأة الحامل يُبقر بطنها والبنت تُربط وتُصلب على جذع شجرة ولا أحد يتحرك وكأن الذي عُلّق شاة تُذبح فأين الضمير العالمي الذي يدّعي الإنسانية.

 

تعلمنا من أفراد القوات المسلحة والقوات المنضوية تحت لوائها أن العقيدة ليست شعارات تُكتب بل سلوك يُمارس لم نرَ منهم ساخطاً على قضاء الله يجمعون أشلاء أحبائهم ويحمدون ربهم يمسحون دموعهم بيد ويتابعون القتال باليد الأخرى عقيدتهم امتلأت بها قلوبهم ففاضت على جوارحهم.

 

تعلمنا وتألمنا لكننا لم ننكسر بل اشتد عودناواشتعل وعيناوارتفعت رؤوسنا لأننا نعرف أن هذا الوطن لا يُبنى إلا بالتضحيات ولا يُحمى إلا بالدماء وأن الغد لنا مهما طال ليل الخيانة ومهما اشتد ظلام المؤامرة.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…