‫الرئيسية‬ مقالات د.ميمونه سعيد ادم ابو رقاب مجزرة كلوقي: اختبار جديد لإنسانية العالم وازدواجية المعايير الدولية
مقالات - ديسمبر 17, 2025

د.ميمونه سعيد ادم ابو رقاب مجزرة كلوقي: اختبار جديد لإنسانية العالم وازدواجية المعايير الدولية

تمثل مجزرة كلوقي التي ارتكبتها قوات الدعم السريع إحدى أكثر المحطات دموية في الحرب السودانية، بعد استهداف طائرة مسيّرة تابعة للمليشيا روضة أطفال في مدينة كلوقي بجنوب كردفان، ما أدى إلى مقتل نحو 50 شخصًا، بينهم 33 طفلًا. هذا الحادث البشع كشف عن مستوى خطير من الانتهاكات، وأعاد تسليط الضوء على مأساة المدنيين الذين وجدوا أنفسهم هدفًا مباشرًا في حرب لا ترحم الضعفاء.

 

ورغم محدودية الاتصال في المنطقة وصعوبة التوثيق الفوري، خرجت منظمات إنسانية وحقوقية تؤكد أن الهجوم “انتهاك واضح للقانون الإنساني الدولي”، باعتباره استهدافًا مباشرًا لمنشأة مدنية محمية، ويمثل جريمة حرب مكتملة الأركان. إلا أن هذه الإدانات، رغم أهميتها، لم تتحول إلى خطوات سياسية أو قانونية فاعلة، ما يعيد طرح سؤال جوهري: لماذا يقف المجتمع الدولي عاجزًا أمام هذه الفظائع؟

 

صمت دولي يثير الشكوك

يعكس التباطؤ في اتخاذ إجراءات حقيقية ضد الدعم السريع ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الصراعات. ففي حين تتحرك دول كبرى سريعًا لفتح ملفات جرائم الحرب في مناطق أخرى، يظهر الملف السوداني وكأنه الأقل أولوية رغم تكرار المجازر والتهجير الواسع. هذا الصمت له عدة تفسيرات، منها تشابك المصالح الدولية في البحر الأحمر، وتردد بعض الدول الداعمة إقليميًا لأي طرف، ما أدى إلى تخفيف حدة الخطاب الحقوقي أو تجنب وصف الانتهاكات بما تستحقه من توصيف.

فالخطاب الحقوقي والدولي، رغم تصاعده، لم ينتج حتى الآن قرارات رادعة مثل عقوبات مباشرة، أو تحقيقات ميدانية، أو مسار إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية. هذا التباطؤ يعكس فجوة بين القيم المعلنة والقيم المطبقة في النظام الدولي، ويجعل السودان ساحة واضحة لامتحان تلك المبادئ.

لماذا المساءلة ضرورة وليس خيارًا؟

إن حوادث كتلك التي شهدتها كلوقي لا يمكن تجاوزها بحسابات سياسية. فاستهداف الأطفال والمدنيين بشكل متعمد يشكل جريمة تتجاوز حدود النزاع، وتمس جوهر الإنسانية نفسها.

والمحاسبة هنا ليست مجرد “رد فعل حقوقي”، بل هي شرط أساسي لـ:

1. إنصاف الضحايا وإثبات أن العدالة لا تموت بالصمت.

2. ردع قوات الدعم السريع عن تكرار المجازر.

3. إعادة بناء الثقة بين السودانيين والمجتمع الدولي.

4. إرساء أسس سلام مستقبلي لا يقوم على الإفلات من العقاب.

عوائق ثقيلة أمام العدالة

هناك عدة تحديات تقف في وجه المساءلة الدولية، أبرزها:

1. غياب الإرادة السياسية لدى بعض الدول المؤثرة في الملف السوداني.

2. صعوبة التوثيق بسبب انقطاع الاتصالات وسيطرة الميليشيات على بعض المناطق.

3. تحالفات إقليمية معقدة تُضعف وحدة الموقف الدولي.

4. بطء آليات العدالة الدولية التي تتطلب مسارًا سياسيًا متكاملًا.

مسؤولية العالم أمام اختبار أخلاقي جديد:

مجزرة كلوقي ليست مجرد سطر جديد في سجل الانتهاكات؛ إنها جريمة صارخة تكشف مدى وحشية الحرب، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني جديد. فالصمت أو التبرير أو الاكتفاء بإصدار بيانات القلق لم تعد خيارات مقبولة، خاصة عندما يكون الضحايا أطفالًا لم يعرفوا بعد معنى السياسة ولا الحرب.

على الدول والمنظمات الدولية أن تتجه نحو تحقيق مستقل، وعقوبات حقيقية، ودعم صريح لآليات حماية المدنيين، وإلا فإن السودان سيظل ساحة مفتوحة للقتل دون حساب.

‫شاهد أيضًا‬

مطالبات لمدير المخابرات لتطهير النيابة وتعزيز العدالة دعوات إعلامية لاتخاذ خطوات حاسمة وسط اتهامات بوجود تجاوزات    رئيس جمعية صحفيون ضد الجريمة :اي شبهة فساد داخل النيابة ينعكس سلبا” على المنظومة العدلية

تتزايد الدعوات في الأوساط الرسمية والإعلامية بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لإصلاح أجهزة العدالة…