حديث الساعة الهام سالم منصور العفو في زمن الحرب حين يصبح التسامح اختبارًا لهيبة الدولة

لم تكن الحرب التي اجتاحت السودان حدثًا طارئًا ولا نتيجة سوء تفاهم سياسي، بل كانت مشروعًا منظمًا لضرب الدولة من جذورها؛ مشروع استهدف الإنسان قبل الأرض، والسيادة قبل السلطة، والهوية قبل الجغرافيا.
وفي خضم هذا الخراب، يُطرح سؤال العفو، لا بوصفه قيمة أخلاقية مجردة، بل كأداة سياسية يُراد بها إغلاق الملف قبل فتحه، وطي الجريمة قبل محاسبة مرتكبيها.
العفو ليس قرارًا عاطفيًا
العفو قيمة سامية حين يأتي في سياقه الصحيح، لكنه يتحول إلى جريمة حين يُستخدم غطاءً للإفلات من العقاب.
لا يمكن مطالبة شعب قُتل أبناؤه، وشُردت أسرُه، ودُمرت مدنه، بأن يتجاوز ما حدث دون:
كشف الحقيقة كاملة
تحديد المسؤوليات بوضوح
محاسبة كل من تورط أو حرّض أو موّل
وإنصاف الضحايا ورد الاعتبار
العفو قبل العدالة ليس تسامحًا…
بل إعادة إنتاج للمأساة.
القوات المسلحة: جوهر المعركة
في هذه الحرب، لم يكن الصراع بين قوتين متكافئتين، بل بين الدولة ومشروع الفوضى.
وكان استهداف القوات المسلحة السودانية استهدافًا مباشرًا لفكرة الدولة نفسها؛ لأن كسر الجيش يعني سقوط السيادة، وفتح الباب لحكم السلاح والمليشيات.
وقفت القوات المسلحة حيث يجب أن تقف الجيوش الوطنية:
تحمي ما تبقى من الدولة،
وتمنع الانهيار الكامل،
وتدفع ثمنًا باهظًا دفاعًا عن وجود السودان.
كل محاولة لمساواة الجيش بالمليشيا، أو تحميله مسؤولية الدمار، ليست اجتهادًا سياسيًا، بل تشويه متعمد للحقائق وخدمة مباشرة لمشروع إسقاط الدولة.
من خان الوطن لا يشمله العفو
يجب أن يكون الخطاب واضحًا بلا مواربة:
لا عفو عن:
من حمل السلاح ضد القوات المسلحة
من موّل أو سلّح أو دعم المليشيات
من حرّض إعلاميًا على كسر الجيش وبث الفتنة
من استدعى التدخل الخارجي ضد بلاده
من تاجر بدماء السودانيين لتحقيق مكاسب سياسية
هؤلاء لم يخطئوا التقدير…
بل اختاروا الخيانة بوعي كامل.
العفو الشامل خطر على المستقبل
التجارب التاريخية تؤكد أن الدول التي تجاوزت الجرائم دون محاسبة لم تنجُ، بل دخلت دوامة عنف متجددة.
العفو الشامل دون عدالة:
يهدم الثقة في الدولة
يهين تضحيات الشهداء
ويبعث رسالة خطيرة مفادها أن الخيانة بلا ثمن
وهذا أخطر ما يمكن أن يُزرع في وعي الأجيال القادمة.
الشعب والجيش: معادلة البقاء
أثبتت هذه الحرب أن الجيش ليس كيانًا منفصلًا عن المجتمع، بل امتداد له؛ من بيوت السودانيين، من قراهم ومدنهم، من وجعهم وصمودهم.
ومن هنا، فإن الوقوف مع القوات المسلحة كان — ولا يزال — وقوفًا مع بقاء السودان دولة لا ساحة فوضى.
السودان لا يحتاج سلامًا زائفًا،
ولا عفوًا مفروضًا،
ولا تسويات تُكتب فوق أنقاض المدن.
نعم للعدالة أولًا،
نعم للمحاسبة دون انتقائية،
نعم لمصالحة تحفظ كرامة الوطن،
ولا عفو عن خيانة الدولة،
ولا تسامح مع من استهدف القوات المسلحة،
لأن الجيش ليس طرفًا في الصراع…
الجيش هو آخر جدار قبل سقوط السودان.
١٧ديسمبر ٢٠٢٥
الجيوش الأصيلة لا تُستفز: الجيش السوداني بين الإرث القتالي وصلابة العقيدة
يُعدّ الجيش السوداني أحد أعرق الجيوش في القارة الإفريقية والعالم العربي، إذ يمتد تاريخه ال…





