ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون دارفور: الجغرافيا العنيدة

١٨-١٢-٢٠٢٥
قد يكون مصير السودان مرهوناً باستقرار إقليم دارفور، هذا الإقليم المتشاكس سياسياً في مطالبته بحقوقه التي لم تنصفه الحكومات السودانية المتعاقبة. فبالعودة إلى ذاكرة التاريخ الصراعي، نجد أن معظم العواصف المطلبية انطلقت من دارفور واتجهت شرقاً نحو مركز السلطة والقرار في العاصمة، الأمر الذي أفرز أصواتاً تنادي بانفصال الإقليم، متهمةً إياه بأنه لا يضيف للسودان سوى الصراعات ويعكّر مشهد الاستقرار السياسي.
وقد أسفر هذا الواقع عن مشكلتين متداخلتين لا تزالان عصيتين على الحل:
الأولى مشكلة عامة تتمثل في السؤال الجوهري حول كيفية معالجة الإشكال التاريخي بين المركز والهامش، أهل دارفور يرون أنهم دائماً في موقع التهميش الدائم.
أما الثانية فهي مشكلة خاصة بالإقليم نفسه، وتكمن في سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن لمجتمعات دارفور أن تتعايش فيما بينها إذا أصبح الإقليم مركزاً صورياً ومحلياته هامشاً؟ وهل تستطيع المكونات الإثنية ذات النفوذ السياسي داخل الإقليم أن تتفق على مشروع تعايش حقيقي يبلغ درجة من النضج السياسي تخدم الاستقرار في دارفور، أم أنها ستدخل في صراعات داخلية جديدة تحت ذريعة مقولة استُهلكت زمنياً وفقدت صلاحيتها [دا كلو من الكيزان، ما بخلونا نستقر]؟
هذه الأسئلة لا تجدي معها الإجابات النظرية، بل تحتاج إلى أفعال ملموسة. وإذا أردنا قول الحقيقة، فعلينا الاعتراف بأننا في السودان الغربي نعاني عناداً شديداً في تقبّل الآخر، لا يقل عن عناد الساسة في الحكومات السابقة في إنصاف التنوعات الثقافية الممتدة على أطراف الجغرافيا السودانية. فدارفور تختلف عن بقية أقاليم السودان، إذ نشأ وعيها السياسي على إحساس عميق بالمظلومية في إرث الدولة، ما دفع كثيرين إلى السعي لانتزاع الحقوق عبر فوهة السلاح.
ولهذا ليس مستغرباً أن تكون معظم الحركات المطلبية التي ظهرت منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم ذات انتماء دارفوري. غير أن مسار الصراع لم يقف عند مواجهة الدولة، بل تطور إلى حروب داخل الإثنية الواحدة بتقسيماتها المختلفة، ثم اتسعت دائرة العنف لتشمل صراعات بين مكونات إثنية متعددة، قبل أن تصل نيران الحرب إلى العاصمة نفسها، وربما تعود مرة أخرى إلى الإقليم في دورة عنف جديدة، ما لم يثق إنسان دارفور بحقيقة الواقع المتجلي.
فالواقع الذي أودى بحياة آلاف الضحايا في دارفور لم يكن في جوهره نزاعاً سياسياً ولا خلافاً اجتماعياً بقدر ما كان قتلاً عرقياً بلا أسباب واضحة، قاتل لا يعرف لماذا يقتل، ومقتول لا يدري لأي ذنب قُتل.
من هنا، يصبح واجب أبناء الإقليم التفكير بوعي ومسؤولية لمعالجة جذور التنافر، وذلك عبر تقديم تنازلات شجاعة بعيداً عن منطق [العين بالعين والسن بالسن]، والمساهمة في سنّ قوانين تُجرّم العبث بأسماء القبائل، وهي الممارسات الشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي وصفتُ أصحابها في مقالات سابقة بأنهم يمتهنون [مهنة البوكو حلال]. كما ينبغي إدراج نصوص قانونية تُجرّم السؤال السلبي عن قبيلة الفرد، ولا يُسمح به إلا في سياق إيجابي يخدم التعايش المجتمعي.
إضافة إلى ذلك، يصبح من الضروري أن توقّع الجغرافيا الدارفورية ميثاقاً جامعاً يؤسس لعقد اجتماعي بين مكوناتها الإثنية، ليكون ضمانة للتعايش والاستقرار، تحسباً في حال فرض الواقع يوماً ما تحقيق أحلام دعاة الانفصال.
وقد ورد في الحديث النبوي الشريف:
[ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب].وكذلك، إذا استقرت دارفور، استقر السودان كله. فهي بمثابة قلبه النابض، وهذا لمن يفكر بصدق من أجل مصلحة الوطن.
فاجعة مؤلمة لأسرة أم درمانية بالقاهرة.. وجبة سمك تتحول إلى مأساة
في حادثة مأساوية هزّت الجالية السودانية خيم الحزن على أحياء الموردة وأبوروف بعد فاجعة أليم…





