خواطر ابن الفضل إدارة المرحلة الانتقالية في السودان: تقييم موضوعي لتجربة حمدوك د. محمد فضل محمد

تسلّم الدكتور عبد الله حمدوك رئاسة وزراء السودان في أغسطس 2019، في لحظة تاريخية أعقبت سقوط نظام حكم استمر ثلاثة عقود، وسط آمال عريضة بإدارة انتقال تقود إلى دولة مدنية مستقرة وتعافٍ اقتصادي حقيقي. غير أن التجربة، وبعد أكثر من عامين، انتهت إلى استقالة رئيس الوزراء وتعقّد المشهد السياسي، ما يستدعي تقييمًا نقديًا هادئًا بعيدًا عن التقديس أو التخوين.
*غياب البرنامج وتعثّر البدايات*
منذ الأيام الأولى، برزت إشكالية جوهرية حين أقرّ حمدوك في لقاءات عامة بأنه لم يتسلّم برنامج حكم متكاملًا من قوى الحرية والتغيير، واكتفى بالوثيقة الدستورية كإطار عام. هذا الاعتراف لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل كشف عن فراغ سياسي ورؤية ثاقبة لدى القوى التي قدّمته، وهو ما انعكس لاحقًا في إدارة الدولة بعقلية ردّ الفعل لا بمنهجية التخطيط الاستراتيجي.
*الاقتصاد إصلاحات قاسية وواقع معيشي متدهور*
روّج لحمدوك بوصفه خبيرًا اقتصاديًا قادرًا على انتشال البلاد من أزمتها، لكن الواقع المعيشي للمواطنين لم يشهد تحسّنًا ملموسًا. فقد شهد السودان خلال فترته ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم، وتدهورًا حادًا في قيمة الجنيه، وقفزات كبيرة في أسعار السلع الأساسية والخدمات. ورغم أن الاقتصاد كان مثقلًا بأزمات متراكمة، فإن طريقة تطبيق الإصلاحات، خاصة رفع الدعم وتحرير سعر الصرف، جاءت دون تدرّج كافٍ أو شبكة أمان اجتماعي فعّالة، فدُفع المواطن لتحمّل كلفة الإصلاح وحده، بينما ظل الأثر الإيجابي وعودًا مؤجلة.
*أزمة التوافق السياسي وإدارة الصراع*
سياسيًا، فشلت حكومة حمدوك في بناء توافق وطني واسع. ظلت العلاقة بين المكوّن المدني والعسكري قائمة على الشك والتجاذب، دون آليات دستورية واضحة لإدارة الخلاف. وبدل توسيع قاعدة الإجماع، انحصرت الحكومة في تحالفات نخبوية ضيقة، ما جعلها هشّة أمام الأزمات.
بلغ هذا الفشل ذروته في انقلاب 25 أكتوبر 2021. ورغم عودة حمدوك لاحقًا باتفاق مع المكوّن العسكري، فإن تلك العودة قوبلت برفض شعبي واسع، واعتُبرت لدى قطاعات كبيرة من الشارع إضفاءً لشرعية الانقلاب لا معالجة لأسبابه، لتنتهي التجربة باستقالته دون تحقيق اختراق سياسي حقيقي.
*ملف تفجيرات نيروبي بين القضاء والتسوية السياسية*
أُثير كثير من الجدل حول ملف تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام (1998) خلال فترة حمدوك. ومن الناحية القانونية، لم تُثبت المحاكم الأمريكية مسؤولية جنائية مباشرة على الدولة السودانية عن تنفيذ التفجيرات، بل صدرت الأحكام في إطار المسؤولية المدنية وفق القانون الأمريكي، لا على أساس إدانة جنائية تخطيطًا أو تنفيذًا.
ورغم ذلك، اختارت حكومة حمدوك الدخول في تسوية سياسية–قانونية ودفع تعويضات مالية كبيرة، باعتبارها طريقًا لتسوية الملف الخارجي وفتح صفحة جديدة مع الغرب. هذه الخطوة، وإن فُسّرت سياسيًا بالبراغماتية، أثارت سخطًا داخليًا مشروعًا، إذ شعر كثير من السودانيين أن الدولة دفعت ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا لقضية لم تُدان فيها جنائيًا، وفي توقيت بالغ الحساسية اقتصاديًا.
*رفع اسم السودان مسار سابق لا إنجاز حصري*
كما أن تصوير رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفه إنجازًا حصريًا لحكومة حمدوك لا يعكس كامل الحقيقة. فمسار الرفع كان قد بدأ قبل تلك الحكومة، وسبقه تعاون أمني واستخباراتي ممتد، وقرارات أمريكية مرحلية خفّفت العقوبات وفتحت قنوات التواصل.
ويجدر التذكير بأن مسار تخفيف العقوبات عن السودان بدأ قبل حكومة حمدوك، أبرزها رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية الشاملة عام 2017، وتوسيع التعاملات التجارية والمالية في 2018، بعد اعتراف أمريكي بتحسن التعاون الأمني، ما يجعل رفع اسم السودان لاحقًا تتويجًا لمسار سابق لا نقطة بدء جديدة.
وعليه، فإن ربط الرفع حصرًا بدفع التعويضات يُعد تبسيطًا سياسيًا مخلًا، حوّل مسألة سيادية معقّدة إلى صفقة سياسية دُفعت كلفتها من المال العام دون نقاش وطني شفاف حول البدائل الممكنة.
*من القبول الدولي إلى العزلة الداخلية*
حظي حمدوك بدعم دولي لافت، لكنه فشل في تحويل هذا الدعم إلى شرعية داخلية مستقرة. ومع مرور الوقت، اتّسعت الفجوة بين الحكومة والشارع، وتآكلت الثقة، حتى باتت الحكومة معزولة شعبيًا رغم الاعتراف الخارجي بها.
*وهم العودة ومقتضيات المرحلة*
وفي خضم هذا التقييم، تبرز بين الفينة والأخرى أصوات تُبشّر بعودة عبد الله حمدوك إلى المشهد السياسي، وكأن التجربة السابقة لم تُختبر بما يكفي. غير أن هذه الدعوات تبدو أقرب إلى أشواق سياسية وأحلام عاطفية منها إلى قراءة واقعية لمقتضيات المرحلة الراهنة.
فالسودان اليوم يواجه تحديات وجودية تتجاوز الأسماء والشعارات، وتحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية وطنية جامعة، وحضورًا داخليًا فاعلًا، وقدرة على إدارة الصراع لا الهروب منه. أما استدعاء تجربة لم تُنتج استقرارًا سياسيًا ولا تعافيًا اقتصاديًا، فلا ينسجم مع متطلبات اللحظة ولا يستجيب لأسئلة الواقع القاسي.
*خلاصة التجربة*
تكشف تجربة عبد الله حمدوك أن الكفاءة الفنية وحدها لا تكفي لإدارة مرحلة انتقالية معقّدة، وأن الحكم في دولة خارجة من ثورة يتطلب برنامجًا وطنيًا واضحًا، وحاضنة سياسية عريضة، وإصلاحات اقتصادية تراعي العدالة الاجتماعية، وإدارة متوازنة للصراع السياسي.
لقد كانت تلك المرحلة فرصة تاريخية، لكنها انتهت إلى تعميق الانقسام وإعادة إنتاج الأزمة. والدرس الأهم أن الدول لا تُدار بحسن النوايا ولا برضا الخارج وحده، بل بإجماع الداخل، ووضوح الرؤية، وتحمل المسؤولية السياسية كاملة.
مطالبات لمدير المخابرات لتطهير النيابة وتعزيز العدالة دعوات إعلامية لاتخاذ خطوات حاسمة وسط اتهامات بوجود تجاوزات رئيس جمعية صحفيون ضد الجريمة :اي شبهة فساد داخل النيابة ينعكس سلبا” على المنظومة العدلية
تتزايد الدعوات في الأوساط الرسمية والإعلامية بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لإصلاح أجهزة العدالة…





