‫الرئيسية‬ مقالات د.بشارة حامد جبارة يكتب في مساحة حرة أطفالٌ يولدون على جراح غيرهم… من يحاسب من؟ وأي ذنب حُمِّل الأبرياء؟!
مقالات - ديسمبر 20, 2025

د.بشارة حامد جبارة يكتب في مساحة حرة أطفالٌ يولدون على جراح غيرهم… من يحاسب من؟ وأي ذنب حُمِّل الأبرياء؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

يا عباد الله… إن للذنوب ظلالًا طويلة، وللجريمة عواقب تمتد إلى ما وراء اللحظات التي تُقترف فيها. ومن أكبر الذنوب التي حذرنا منها الإسلام: جريمة الزنا، تلك الآفة القاتلة التي لا تهدم جسدًا فحسب، بل تهدم أرواحًا بريئة، وتترك وراءها أطفالًا يبحثون عن هوية وكرامة ودفء إنسان.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.

وقال تعالى مؤكدًا عظمة جريمة الزنا:

﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، وذَكَرها مع القتل والشرك في سورة الفرقان لعظم خطرها، وفساد أثرها.

وقال ﷺ:

«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن…»، حديث يهز القلوب، لأن الزنا يطفئ نور الإيمان لحظة البعد عن الله.

ومع كل هذا التحذير… تبقى هناك مصيبة أخرى أشد ألمًا من مجرد وقوع الزنا:

إنسان يولد ليحمل آثار خطيئة لم يرتكبها.

إنسان يخرج إلى الحياة بلا نسبٍ معترف به.

طفل يفتح عينيه في الدنيا ليواجه سؤالًا لا يعرف جوابه:

من أبي؟

أيها الزاني! أتدري ماذا فعلت؟!

لقد سرقت حقًّا من حقوق ولدك قبل أن يخرج إلى الدنيا.

أتعلم ما معنى أن يولد طفل بلا أب شرعي؟

أتعلم ما معنى أن ينشأ بلا هوية؟

أيها الزاني!

هل تعلم أن طفلك سيكبر في مجتمع يجرحه بنظرات الاتهام؟

هل تعلم أن في قلبه ستشتعل الحسرة كلما سمع الأطفال ينادون آباءهم؟

أيتها الزانية!

هل تفكرين في هذا الطفل الذي سيبحث عن اسم؟

سيبحث عن أسرة؟

سيبحث عن حضن؟

سيبحث عن مكان يتكئ عليه؟

هل تفكرين أن دمعةً منه ستشهد عليك يوم القيامة؟

يا من تستهين بلحظة شهوة…

هل تدري أن لحظتك هذه قد تصنع عمرًا من الألم؟

يا أيها الزاني! ويا أيتها الزانية! ويا أيها الزاني! ويا أيتها الزانية!

(كرّر النداء يا من تستخدم هذا الخطاب للناس؛ فكل تكرار سهم في القلب.)

يا عباد الله… أبناء وبنات الزنا لا ذنب لهم

إن الطفل الذي يولد من سفاح هو طفل بريء، طاهر، كريم عند الله؛ قال تعالى قاعدة خالدة:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

وهذا الطفل لا يُسأل عن الجريمة، ولا يحمل خطيئة، بل الجريمة على من فعل الزنا، لا على من جنى عليه الزنا!

يا أيها الناس…

إن الشرع كرّم هؤلاء الأبرياء، لكن المجتمع يقتلهم بنظرة احتقار، ويكسر قلوبهم بكلمة، ويطعن كرامتهم بسؤال!

فيكبر الطفل وهو يشعر أنه ناقص…

ويعيش وهو يحمل همًا فوق طاقته…

ويبكي في الليل لأن المجتمع لم يرحمه…

وتتسخ الذاكرة بجرح لا يندمل!

الآثار النفسية على أبناء الزنا

يعيشون صراعًا داخليًا: من أنا؟

يحترق داخلهم إحساس بالنقص والضياع.

يعانون من اكتئاب وقلق ووسواس ونظرة كراهية للذات.

قد يهربون للعزلة والانطواء.

بعضهم – من شدة الألم – يتمنى الموت!

وكل هذا لأن أبًا وأمًا خانا الله ثم خانا الطفل!

الآثار الاجتماعية

صعوبة في الزواج

حرمان من الاستقرار الأسري

عدم امتلاك سند عائلي

حرمان من العائلة الكاملة

تعرض للتنمر والعنف

بل بعضهم ينتهي إلى الشوارع، أو السجون، أو الإدمان…

لا لأنه ولد من زنا، ولكن لأنه ولد بلا حماية، بلا رعاية، بلا عائلة!

أيتها المجتمعات! اتقوا الله!

لا تجعلوا نظرتكم القاسية تزيد الظلم ظلمًا.

إن الظلم الاجتماعي أقسى من الزنا نفسه!

الشرع لم يُدن الطفل… فلماذا تدينونه أنتم؟

الشرع لم يحرمه من الكرامة… فلماذا تحرمونه أنتم؟

أثر الجريمة على بعض الأبناء

نعم، بعض أبناء الزنا ينحرفون…

لكن:

ليس لأنهم أبناء زنا، بل لأنكم تخليتم عنهم!

لأن المجتمع لفظهم!

لأن التربية غابت!

لأن الأبواب أُغلقت في وجوههم!

بعض الناس الرحماء الذين لم ينجبوا أبناء قد يذهبون إلى الدور التي تربي هؤلاء الأطفال، يأخذونهم إلى بيوتهم ويحسنون إليهم في التربية والتعليم، وهم مأجورون على ذلك.

لكن المشكلة أن هؤلاء الأبناء عندما يكبرون سوف يكتشفون أنهم أبناء زنا، وذلك عند مراجعة شهادات الميلاد، لأنه لا يجوز شرعًا نسبتهم إلى من يربونهم، وكذلك يظهر الأمر عند الزواج أو الميراث. فتكون عليهم صدمة كبيرة ومفاجأة نفسية مؤلمة.

 

يا عباد الله!

افتحوا لهم طريق الأمان…

افتحوا لهم باب التربية والاحتواء…

شجعوهم على العلم والصلاح…

فمنهم علماء… منهم حفظة للقرآن… منهم أبطال… منهم شرفاء…

يا أيها الزاني! يا أيتها الزانية!

إن الزنا ليس فقط معصيةً بينك وبين الله…

بل جريمةٌ في حق طفلٍ لا ذنب له!

فكّروا قبل أن تخونوا الله…

فكّروا قبل أن تبيعوا شرفكم…

فكّروا قبل أن تصنعوا قلبًا مكسورًا في الدنيا…

وخصومةً أمام الله يوم القيامة!

أبناء الزنا أبرياء، مظلومون، لا ذنب لهم…

فاتقوا الله فيهم، وارحموا ضعفهم، وكونوا لهم عائلةً وإن لم تنجبوهم!

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

‫شاهد أيضًا‬

زيارة وصلة ارحام

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الامين. جاءت زيارة وفد أعيان قبيلة الشا…