السودان.. وتوجيه التنوع فى الهوية لدعم الوحدة الوطنية د. ميمونة سعيد آدم أبو رقاب

يمتاز المجتمع السوداني بثراء إنساني وثقافي فريد جعله واحدًا من أكثر المجتمعات تنوعًا في القارة الإفريقية والعالم العربي. فهذا البلد الشاسع لم يكن يومًا كتلة اجتماعية واحدة، بل تشكّل عبر قرون من التفاعل بين عشرات القبائل والإثنيات، وتعددت فيه اللهجات واللغات، واختلفت أنماط العيش والعادات والتقاليد، من البوادي إلى الأرياف، ومن ضفاف النيل إلى تخوم الصحراء والجبال والسافانا. هذا التنوع لم يكن في جوهره مشكلة، بل كان تاريخيًا مصدر غنى حضاري وروحي، غير أن سوء هذا التنوع حوّله في مراحل كثيرة إلى أداة صراع وانقسام.
يتحدث السودانيون لهجات متعددة، عربية ونوبية وبجاوية وفوروية وغيرها، ولكل لهجة موسيقاها الخاصة وطريقتها في التعبير عن القيم والوجدان. كما تتعدد القبائل بانتماءاتها وتاريخها، ولكل قبيلة أعرافها في الضيافة، والصلح، والتكافل، واحترام الكبير، وهي قيم إنسانية مشتركة تتقاطع عند جوهر أخلاقي واحد. أما التقاليد الاجتماعية، من أفراح وأتراح، ومن أزياء ومأكولات وفنون شعبية، فتمثل لوحة فسيفسائية غنية تعكس عمق التعايش التاريخي بين المكونات المختلفة.
ويزداد هذا الثراء وضوحًا إذا نظرنا إلى الثروات التي يمتلكها السودان، سواء كانت ثروات طبيعية من أرض ومياه وزراعة وثروة حيوانية، أو ثروات بشرية متمثلة في التنوع المعرفي والمهني والثقافي لأبنائه. غير أن الإشكال لم يكن يومًا في وجود هذا التنوع، بل في تحوّله إلى أداة تنافس سلبي بسبب خطاب قبلي وجهوي إقصائي، غذّته صراعات مجتمعية ادت الى فشل بناء دولة تحتضن الجميع.
إن تجارب المجتمعات الأخرى، مثل جنوب إفريقيا وماليزيا وكندا، تؤكد أن التعدد يمكن أن يكون مصدر قوة وإلهام حين يُدار عبر عقد اجتماعي يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. فالدولة القوية لا تُبنى على قبيلة مهيمنة أو جهة مفضلة، بل على مجتمع يشعر أفراده بأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن اختلافهم الثقافي محل احترام لا موضع تهديد.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة في السودان إلى الاستفادة من أخطاء الماضي، عبر نبذ القبلية والجهوية بوصفهما أدوات للفرز والإقصاء، لا بوصفهما هويات ثقافية. المطلوب هو الانتقال من الانتماء الضيق إلى الانتماء الوطني الجامع، ومن خطاب الكراهية إلى خطاب الاعتراف والتسامح. فالتعايش لا يعني ذوبان الهويات، بل يعني إدارتها ضمن إطار وطني واحد، تحكمه قيم العدالة والمشاركة والتكافل.
إن بناء مجتمع سوداني موحد يبدأ من الوعي بأن قوتنا في تنوعنا، وأن نهضة الدولة لا تتحقق إلا حين يصبح المواطن سندًا لأخيه المواطن، لا خصمًا له. وعندما نرفض الإقصاء، ونتصالح مع ذواتنا وتاريخنا، ونؤمن بأن السودان يسع الجميع، يمكن حينها أن يتحول هذا المجتمع المتعدد إلى قاعدة صلبة لبناء دولة قوية، عادلة، ومستقرة، تستمد قوتها من وحدة شعبها لا من انقسامه.
السودان الآن: قراءة تحليلية معمّقة في قلب الأزمة
ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو حرب تقليدية بين طرفين، بل هو انهيار مركّب لل…





