حديث الساعة إلهام سالم منصور السودان… حين يصبح الداخل ساحة الحسم

بدأت حرب السودان من الداخل، حين اختلطت الطموحات الشخصية بالصراعات السياسية، وحين فُتحت الأبواب أمام خطاب الكراهية والتخوين، فتصدّعت الجبهة الوطنية قبل أن يعلو صوت السلاح. لم تكن الحرب قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات طويلة من الأخطاء، وسوء إدارة الخلاف، وغياب المشروع الوطني الجامع الذي يُحتكم إليه عند الاختلاف.
ومع اشتعال النار داخليًا، وجدت قوى خارجية في المشهد السوداني فرصة سانحة لتنفيذ أجنداتها، فتدخّلت بأشكال متعددة؛ دعم سياسي وعسكري، تضليل إعلامي، وضغوط دبلوماسية تحت لافتات براقة لا تخلو من النفاق. عندها تحوّلت الحرب من نزاع داخلي إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، يُدار فيها السودان كملف مصالح لا كوطن ذي سيادة وشعب.
لكن رهانات الخارج، مهما بدت قوية، سرعان ما تتآكل أمام صمود الواقع. وحين فشل الحسم العسكري وتكشّفت الأدوار، بدأت تلك القوى في التراجع، لتعود الحرب وتُدار من جديد من الداخل، ولكن بأدوات أشد خطورة: إشعال الفتن القبلية، ضرب النسيج الاجتماعي، تحريك الشارع المنهك، واستغلال معاناة المواطن لإحداث شرخ بينه وبين دولته ومؤسساته.
اليوم لم يعد الصراع محصورًا في ميادين القتال، بل انتقل إلى العقول والوجدان. إنها معركة وعي تُستخدم فيها الشائعات كسلاح، وتُشوَّه الحقائق، ويُعاد إنتاج الأزمة بأقنعة جديدة، في محاولة لإطالة أمد الحرب واستنزاف ما تبقّى من قوة السودان. الهدف واضح: كسر الداخل بعد أن عجزوا عن كسره من الخارج.
إن أخطر مراحل الحروب هي نهاياتها، حين يظن الناس أن النار خمدت بينما هي تتخفّى تحت الرماد. لذلك فإن المرحلة الراهنة تتطلّب أعلى درجات الوعي الوطني، واصطفافًا صادقًا حول الثوابت لا حول الأشخاص، وخطابًا مسؤولًا يجرّم الفتنة ويرفض التحريض، ويُقدّم مصلحة السودان فوق أي حسابات ضيقة.
ختامًا، إذا كانت الحرب قد بدأت من الداخل، وتصاعدت بدفع خارجي، فإن نهايتها الحقيقية لن تكون إلا بإرادة داخلية صلبة، تُغلق أبواب الفتنة، وتُسقط رهانات الخارج والداخل معًا. فالسودان لا يُهزم إلا إذا انكسر من داخله، ولا يُنقذ إلا بأبنائه حين يدركون أن الداخل اليوم هو ساحة الحسم.
الجمعة ٢٦ديسمبر ٢٠٢٥
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





