حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام – الثورات السودانية في الميزان (3-7)

لقد تحدثنا سابقًا عن ثورة 21 أكتوبر 1964 التي خلت من الفكر الثوري المتعارف عليه في الثورات، برغم أنها قد صاحبها زخم أدبي كبير تغنت به الحناجر، وكانت أشواقًا أكثر من كونها فكر. ساهم في أفول نجمها صانعوها أنفسهم بنشوء الصراع الحزبي على السلطة، وتفاقم حتى صاب مفاصل الدولة، مما أدى إلى اندلاع ثورة مايو 1969.
وقد شهدت حكومة الأحزاب، أو ما يعرف بحكومة الديمقراطية الثانية، خلافات جوهرية، من ضمنها تعطيل الدستور وتشكيل حكومتين إئتلافيتين: الأولى برئاسة محمد أحمد المحجوب، والثانية برئاسة الصادق المهدي. ولم يشفع كل ذلك في تحسن الأوضاع، بل سار الوضع إلى أسوأ. وغرقت الحكومة في صراعات جعلت كل إشراقات أكتوبر وأحلامها تذهب أدراج الرياح. واعتبرت أكتوبر حركة احتجاجية استنفذت أغراضها وهي إسقاط حكم عبود.
وشمل الترهل كل مجالات الحياة، ونشبت مشكلة الجنوب التي برغم قيام المحاولات لحلها بتعيين وزير الخارجية من جنوب السودان، وانصرفت الحكومة بدعم الثورات والمناضلين في الخارج في كل من الكونغو والجمهورية العربية المتحدة وإريتريا وجنوب أفريقيا وغيرها من دول أفريقيا التي نالت استقلالها في الستينات. وكان لسان حالهم يقول: “من غيرنا في كل شيء، ولم يقدموا شيئًا للوطن”.
حتى تدهور الاقتصاد وتفشت العطالة، ولم يتم إنشاء أي مشاريع قومية أو إضافة بنية تحتية للدولة. وحتى على النطاقين السياسي والأمني، لم تصل الحكومة لحل لمشكلة الجنوب، برغم عقد مؤتمر لها بأديس أبابا سنة 1966 الذي تطرق لقضايا الجنوب من المشاركة في الحكم وتقرير المصير.
وهناك عدة أسباب في عدم الوصول لحل لقضية جنوب السودان بعد مؤتمر أديس أبابا 1966م:
– *عدم الثقة بين الأطراف*:
– الحكومة السودانية كانت مترددة في تنفيذ الاتفاق.
– حركة الأنانيا كانت متشككة في نية الحكومة.
– *قضايا جوهرية لم تحل*:
– مسألة تقرير المصير للجنوب.
– توزيع السلطة والثروة.
– قضية الحدود والمناطق المتنازع عليها.
– *تدخلات خارجية*:
– تدخل دول الجوار والإقليم في الصراع.
– دعم بعض الدول لأطراف معينة.
– *ضعف تطبيق الاتفاق*:
– عدم وجود آلية فعالة لتنفيذ الاتفاق.
– غياب الرقابة والمتابعة.
هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى استمرار الصراع في جنوب السودان. ومازال الوضع السياسي متأزمًا برغم الحريات التي اتسمت بها تلك المرحلة، وقيام الحركات النسوية والأنشطة والندوات السياسية.
وخلاصة القول، كانت تلك الخمسة سنوات أقرب إلى ما هو تجربة واشتياقات لكل الأحزاب، وانعدام الخبرة بانضمام الصادق المهدي لها قادمًا من دائرة كوستي، مما جعل الحزب الشيوعي يتململ بعد المضايقات التي تعرض لها من قبل الحركة الإسلامية بالتضامن مع حزب الأمة، وتضييق المساحة عليه. وفي ذلك الوقت، كان الحزب الشيوعي أكثر نشاطًا وفاعلية، وأخذت جريدة الميدان في التوسع والانتشار، مما عدته الأحزاب اليمينية تهديدًا لها.
وفي خاتمة المطاف، كعادة الأحزاب السودانية، من يملك السلطة يملك القرار حتى ولو كان خاطئًا. فلجأ الشيوعيون للانقلاب على الأحزاب بمساعدة قادة الجيش، فكانت ثورة 25 مايو 1969. وعادت أغاني أكتوبر معها إلى الساحة، أردفها اليساريون: “نحن من مايو وفي مايو بعثنا من جديد”.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين، ولوطني سلام.
السبت / 27 / ديسمبر / 2025
السحر والشعوذة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلي اله وصحبه اجمعين. اما بعد …





