‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب : متى يستيقظ الضمير العالمي من سباته العميق؟
مقالات - ديسمبر 28, 2025

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب : متى يستيقظ الضمير العالمي من سباته العميق؟

في قلب القارة الإفريقية، حيث تتشابك الجغرافيا بالتاريخ، وتتعانق الثقافات في فسيفساءٍ إنسانيةٍ نادرةٍ، يشهد السودان واحدةً من أكثر المآسي دمويةً في تاريخه الحديث، مأساةٌ لا تكتبها الأقلام بمدادٍ أسودَ فحسب، بل تُسطرها دماء الأبرياء ودموع الثكالى وصراخ الأطفال في ليلٍ بلا ضوءٍ ولا أمانٍ. إنها مأساةُ السودان بصفة عامة ودارفور وكردفان بصفة خاصة، حيث تحوّلت الأرضُ الخصبةُ إلى مقبرةٍ جماعيةٍ، والقرى الوادعةُ إلى رمادٍ، والبيوتُ إلى أطلالٍ تنوحُ على ساكنيها.

 

مليشيا الدعم السريع، التي خرجت من رحمِ أبناء السودان ، تحوّلت إلى آلةِ قتلٍ لا تفرّقُ بين شيخٍ وطفلٍ، ولا بين امرأةٍ ورجلٍ، ولا بين مدنيٍّ ومقاتلٍ. ارتكبت هذه المليشيا انتهاكاتٍ وجرائمَ مروعةً ضدّ المدنيينَ في مختلفِ أنحاءِ السودان، لكنّ أكثرَ هذه الجرائمِ فظاعةً ودمويّةً وقعت في إقليمِ دارفور، وتحديداً في مدينةِ الجنينة، حيثُ تحوّلت المدينةُ إلى مسرحٍ مفتوحٍ للإبادةِ الجماعيّةِ والتّطهيرِ العرقيِّ.

 

في غربِ دارفور، وتحديداً ضدّ قبيلةِ المساليت، ارتكبت المليشيا إبادةً جماعيّةً موثّقةً، راح ضحيّتَها أكثرُ من عشرينَ ألفَ شخصٍ، قُتلوا بدمٍ باردٍ، ودُفنوا في مقابرَ جماعيّةٍ، أو تُركت جثثُهم لتنهشَها الكلابُ الضّالةُ. لم يكن القتلُ وحده هو السّلاحَ، بل رافقتهُ موجةٌ من الاغتصابِ والعنفِ الجنسيِّ، طالت نساءً وفتياتٍ لا تتجاوزُ أعمارُ بعضِهنّ اثنتي عشرةَ سنةً، في انتهاكٍ صارخٍ لكلِّ القيمِ الإنسانيّةِ والدّينيّةِ والقانونيّةِ وفي الفاشر الابادة والتصفية الجسدية علي أساس عرقي كل هذا علي مسمع مرآه المجتمع الدولي.

القتلُ والتّعذيبُ أصبحا ممارسةً يوميّةً، حيثُ تشيرُ التّقاريرُ إلى مقتلِ أكثرَ من سبعةٍ وعشرينَ ألفَ شخصٍ، وجرحِ أكثرَ من اثنينِ وأربعينَ ألفاً، بعضُهم أُعدموا ميدانياً، وآخرونَ قضوا تحتَ التّعذيبِ في مراكزِ الاحتجازِ السّرّيّةِ. لم تسلمِ المستشفياتُ ولا المدارسُ ولا المساجدُ من بطشِ المليشيا، بل طالتها يدُ التّخريبِ والحرقِ والنهبِ، في مشهدٍ يُعيدُ إلى الأذهانِ أبشعَ صورِ الحروبِ في أفريقيا.

التهجيرُ القسريُّ كان وجهاً آخرَ من وجوهِ الجريمةِ، إذ اضطرّ ما يقاربُ خمسةَ عشرَ مليونَ شخصٍ إلى الفرارِ من منازلِهم، تاركينَ خلفَهم كلَّ شيءٍ،باحثينَ عن مأوىً في مخيّماتِ النّازحينَ أو على حدودِ الدّولِ المجاورةِ، في ظروفٍ إنسانيّةٍ مأساويّةٍ، تفتقرُ إلى أدنى مقوّماتِ الحياةِ الكريمةِ. هؤلاءِ النّازحونَ لا يحملونَ سوى ذكرياتٍ موجعةٍ، وقلوبٍ مثقلةٍ بالخوفِ والفقدِ.

ولم تكتفِ المليشيا بإزهاقِ الأرواحِ، بل امتدّت جرائمُها إلى نهبِ الممتلكاتِ وتدميرِ البنيةِ التّحتيّةِ، حيثُ سُرقت البيوتُ، وأُحرقت الأسواقُ، ودُمّرت المؤسّساتُ الحكوميّةُ، في محاولةٍ ممنهجةٍ لمحوِ كلِّ أثرٍ للحياةِ في المناطقِ التي اجتاحتها. كانت العمليّةُ أشبهَ بإبادةٍ شاملةٍ، لا تستهدفُ الأفرادَ فحسب، بل تستهدفُ الهويّةَ والتّاريخَ والمستقبلَ.

هذهِ الانتهاكاتُ لم تعُدْ مجرّدَ رواياتٍ تتناقلُها الألسنُ، بل وثّقتها منظماتُ حقوقِ الإنسانِ، وأكّدتها تقاريرُ دوليّةٌ موثوقةٌ، دقّت ناقوسَ الخطرِ، وناشدت المجتمعَ الدّوليَّ للتّدخّلِ العاجلِ، ووقفِ هذهِ الجرائمِ، ومحاسبةِ مرتكبيها. لكنّ الصّمتَ لا يزالُ سيّدَ الموقفِ، والعالمُ يكتفي بمراقبةِ المأساةِ من خلفِ الشّاشاتِ، وكأنّ دماءَ السّودانيّينَ لا تستحقُّ الغضبَ، ولا تستحقُّ العدالةَ.

إنّ ما يحدثُ في السودانِ ليس نزاعاً مسلّحاً فحسب، بل هو جريمةٌ ضدّ الإنسانيّةِ بكلِّ ما تحملهُ الكلمةُ من معنى. هو اختبارٌ حقيقيٌّ لضميرِ العالمِ، ولمدى التزامِه بالمبادئِ التي يتغنّى بها. فهل يبقى الصّمتُ هو الرّدُّ الوحيدُ على صرخاتِ الضّحايا، أم أنّ ساعةَ العدالةِ ستدقُّ يوماً، ولو بعد حينٍ؟.
meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

قدم التهنئة للمبدعين – مفضل ضيفاََ على مركز الفضاء العالمي!!

بتنسيق وترتيب من الأخوين الكريمين مختار دفع الله مدير مركز الفضاء العالمي والمشرف على المن…