أجيال النيل د.سهام موسى محمد صلاح.. وجع الغربة وأسئلة الضمير

رحل الشاب السوداني محمد صلاح، تاركاً خلفه غصة في قلب كل سوداني يصارع لقمة العيش في بلاد الاغتراب، ومخلفاً وراءه قصة مأساوية ليست مجرد حادثة اعتداء عابرة، بل هي جرس إنذار يدق في وجدان الجالية السودانية في مصر، ويضعنا جميعاً أمام مرآة الواقع الصعب.
بدأت المأساة باعتداء وحشي تعرض له محمد في مدينة بدر، اعتداء لم يسلبه أمواله وهاتفه فحسب، بل سلبه أمنه وحياته لاحقاً. لكن وسط هذا القبح، برز بصيص من الأمل والشهامة السودانية؛ فقد تحركت صفحة الجالية السودانية ومتطوعوها في ملحمة إنسانية سريعة، نجحت في جمع مبلغ مالي معتبر في وقت قياسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا التكاتف يثبت أن “النفير” السوداني لا يزال حياً، وأن الوجع واحد مهما تباعدت المسافات.
تثير تفاصيل الساعات الأخيرة لمحمد تساؤلات مشروعة ومؤلمة حول المعايير الطبية والتقدير الصحي للحالات الحرجة. فكيف يتم إخراج مريض من المستشفى بحجة أن حالته “تسمح بالخروج”، ليعود بعد يومين فقط في حالة لا تحتمل النقل لمسافات قصيرة وفارق الحياة؟ إن الفجوة بين تقدير المستشفى وبين الواقع الصحي المتدهور الذي رآه المرافقون هي مساحة رمادية تسببت في ضياع فرصة ثمينة لإنقاذ حياة شاب في مقتبل العمر.
الأكثر إيلاماً في الروايات المتداولة هو أن المعتدين من بني جلدته. وهنا يجب أن نتوقف طويلاً؛ فالغربة التي كانت تجمع الشتات وتوحد القلوب، أصبحت اليوم مسرحاً لجرائم يرتكبها البعض ممن ضلوا الطريق، مشوهين سمعة شعب عُرف بالأمانة والترفع عن الصغائر. إن ما حدث لمحمد صلاح هو دعوة صريحة لكل شاب وفتاة لأخذ أقصى درجات الحيطة والحذر.
إن “البلد صعبة” كما يصفها المتابعون، والحرص ليس جبناً بل هو مسؤولية تجاه الأهل الذين ينتظرون عودتنا أو حتى مجرد سماع أصواتنا عبر الهاتف. الحذر من التحرك وحيداً في الأماكن النائية ليلاً، وعدم حمل مقتنيات ثمينة تثير طمع النفوس الضعيفة، أصبحت ضرورة لا رفاهية.
انتهت رحلة محمد صلاح في “طوارئ مستشفى بدر”، وسيوارى جثمانه الثرى في مقبرة وفرتها الجالية، بعيداً عن تراب وطنه الذي غادره بحثاً عن أمان لم يجده. رحل محمد وترك لنا رسالة مفادها أن التكاتف الاجتماعي عظيم، لكنه وحده لا يكفي إذا غاب الضمير المهني في المؤسسات الصحية، وإذا تفشى الغدر بين أبناء الوطن الواحد.
نسأل الله له الرحمة والمغفرة، ولأهله الصبر والسلوان، ويبقى الأمل أن تكون دماء محمد صلاح سبباً في يقظة جماعية تحمي بقية الشباب من مصير مشابه.
قدم التهنئة للمبدعين – مفضل ضيفاََ على مركز الفضاء العالمي!!
بتنسيق وترتيب من الأخوين الكريمين مختار دفع الله مدير مركز الفضاء العالمي والمشرف على المن…





