لولا المنابر … كيف تُصنع الأوهام ؟ رسالة عتاب إلى قناة الجزيرة- بقلم السفير.رشاد فراج الطيب

لولا أبو الطيب الكندي ما امتلأت .. مسامع الناس من مدح ابن حمدان .
أو كما قال الصاحب بن عباد عن المتنبيء
صاحب الصيت واللسان الذرب المفوه في زمانه.
ولم يكن ذلك انتقاصًا من سيف الدولة ، بقدر ما كان تنبيهًا مبكرًا إلى خطورة المنبر حين يُسخَّر ، وقوة الكلمة حين تصنع مجدًا ، أو تمنح شرعية ، أو توهم الجماهير بما ليس حقيقةً مكتملة الأركان .
ومن هذا المعنى العميق ، تبرز اليوم أسئلة أخلاقية ومهنية موجعة ، لا يمكن تجاوزها بالصمت ، حول الدور الذي تلعبه قناة الجزيرة حين تتيح منابرها الإعلامية لقيادات مليشيا الدعم السريع المتمردة على الدولة السودانية وجيشها العتيد الباسل ، فتمنحهم مساحة الظهور ، وحق السرد ، وامتياز التبرير ، وكأنهم طرف سياسي مشروع ، أو قوة وطنية موازية لمؤسسة الجيش .
إن ما يجري في السودان ليس خلافًا سياسيًا بين أطراف مدنية متنازعة ، ولا تنافسًا مشروعًا على السلطة ، بل تمردٌ مسلحٌ صريح تقوده مليشيا خارج إطار الدولة ، ترفع شعارات إزالة الدولة نفسها ، وتستند إلى خطاب عنصري جهوي بغيض ، وتورّطت بشهادة المنظمات الدولية ، وتقارير الأمم المتحدة وشهادة العالم ، وصور الضحايا ، وأنين المدن المنكوبة والمحروقة في جرائم حرب ، وجرائم ضد الإنسانية ، وعمليات تطهير وتهجير وإبادة وتدمير ممنهج .
وفي مثل هذا السياق ، لا يعود الظهور الإعلامي تفصيلًا مهنيًا عابرًا ، بل يتحول إلى فعل سياسي وأخلاقي له تبعاته .
فالمنبر ليس محايدًا حين يساوي بين الضحية والجلاد ، ولا بريئًا حين يمنح من تلطخت أيديهم بالدماء فرصة تبييض صورتهم بلغة ناعمة ، أو سرد انتقائي ، أو مصطلحات مراوغة .
إن مليشيا الدعم السريع ليست حزبًا سياسيًا ، ولا حركة تحرر وطني ، ولا كيانًا قابلًا للمقارنة بالمؤسسة العسكرية السودانية مهما حاول الأعداء تغبيش صورتها أو التشكيك في أدائها أو تاريخها تظل مؤسسة دولة تقوم بواجبها الوطني وهي ذات شرعية دستورية وتاريخية ، تمثل آخر أعمدة الكيان الوطني في مواجهة التفكك الشامل والعدوان الغاشم .
والمساواة بينها وبين مجموعة متمردة في الخطاب
الإعلامي ليست “توازنًا” منصفا ، بل خللٌ مهني جسيم .
ما تفعله الجزيرة ، حين تفتح شاشتها لقيادات هذه المليشيا ، يؤذي أهل السودان قبل غيرهم ،
يؤذي أمهات القتلى ، ونازحي دارفور ، ومهجّري الخرطوم ، وأهل القرى التي أُحرقت في الجزيرة وكردفان ، والنساء اللواتي انتهكت حرماتهن ، والأطفال الذين شُرّدوا بلا ذنب .
يؤذي الضحايا حين يرون جلاديهم يتحدثون بلغة الضحية ، ويتقمصون دور المنقذين جالبي الديمقراطية والسلام
تحت أضواء الاستوديوهات !
وهو فعل غير مبرر أخلاقيًا ، لأن الصحافة قبل أن تكون مهنة هي موقف أخلاقي من الحقيقة ، وغير مبرر مهنيًا ، لأن المهنية لا تعني الحياد بين الحق والباطل ، ولا تعني تسوية القاتل بالقتيل ، ولا تعني إضفاء الشرعية الإعلامية على مشروع فوضوي هدّام .
لقد علّمنا درس المتنبي أن الكلمة تصنع المجد ، كما قد تصنع الوهم .
والإعلام ، حين يسيء اختيار من يرفعه إلى المنبر ، يصبح شريكًا ولو من حيث لا يريد في صناعة سردية زائفة ، وتاريخ مزيّف ، وشرعية مصطنعة .
وهنا لا بد من عتاب صريح لقناةٍ عُرفت دومًا بانحيازها لقضايا الأمة بل ولقضايا المظلومين في أصقاع الدنيا وعلي امتداد الوجود الإنساني : لا تكونوا أداة لمن يريدون إعادة كتابة الجريمة بوصفها سياسة ، والتمرد بوصفه ثورة ، والخراب بوصفه مشروع خلاص .
فبعض المنابر ، إن لم تُغلق أخلاقيًا ، تصنع من لا يستحقون أن تُسمع أصواتهم ، تمامًا كما صنع شعر المتنبي مجدًا تجاوز صاحبه .
والتاريخ كما الإعلام لا ينسى .
وفي ختام هذا المقال ، يفرض الواجب الأخوي عتابًا مسؤولًا موجّهًا إلى حكومة ودولة قطر الشقيقة ، التي ظلّ موقفها الرسمي المُعلن داعمًا لسيادة السودان واستقراره وسلامة شعبه وفي كل الظروف التي مر بها سابقا وحاضرا .
إن هذا العتاب لا يصدر إلا من موقع المحبة والتقدير لمواقف قطر الساطعة واياديها البيضاء ، بل من موقع المودة والاحترام ، ومن حرصٍ صادق على ألا تتحول مواقف الدعم السياسي إلى جرحٍ معنوي عميق بفعل سياسات إعلامية غير مبررة .
إننا نناشد الحكومة القطرية أن تتدخل لوقف هذا العبث المؤلم بمشاعر أهل السودان ، وأن تُعيد النظر بجدية في السياسة التحريرية الظالمة وغير المهنية وغير الأخلاقية لقناة الجزيرة والخاصة بتغطية اخبار السودان ، وبخاصة برنامج الجزيرة مباشر ، الذي تحوّل في هذا الملف تحديدًا من منصة إعلامية إلى منبر يمنح التمرد صوتًا ، ويُجرّح الضحايا مرتين مرة بالقتل والتشريد ، ومرة بتلميع الجناة القتلة.
فليس من الوفاء للسودان ، ولا من مقتضيات الدعم الأخوي ، أن يُترك الإعلام التابع لدولة شقيقة يضيف إلى جراح السودانيين جرحًا آخر ، ويهزّ ثقتهم في صدقية المواقف ، ويشوّه حقيقة ما يجري على أرضهم .
إن إيقاف هذا النهج ، أو تعديله تعديلًا جذريًا منصفًا ، ليس فقط مطلبًا سودانيًا مشروعًا ، بل واجبًا أخلاقيًا وإعلاميًا ومهنيا ، يحفظ لقطر مكانتها ، ويصون للجزيرة رصيدها المهني المحترم ، ويعيد الاعتبار للإعلام بوصفه شاهدَ حقّ ، لا شريكَ سردٍ زائف .
بالشراكة مع المتحف الحربي وصندوق الطلاب ممثل السودان في الاتحاد العربي للاعلام التراثي تنظم ورشة تأثير الحرب على التراث في السودان
نظمت ممثل السودان في الاتحاد العربي للاعلام التراثي نرمين عوض شريف بالتعاون مع الادارة الع…





