د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب الخيانة في حرب الكرامة: حين سقطت الأقنعة وظهر الخطر من الداخل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في لحظات المحن الكبرى، لا تختبر الأوطان قوة سلاحها فقط، بل تختبر صدق رجالها، وأمانة قادتها، ووعي خطابها العام. وقد جاءت حرب الكرامة لتكون واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي كشفت معادن الناس، وأسقطت الأقنعة، وأظهرت أن الخطر الداخلي في بعض الأحيان أشد فتكًا من العدو الخارجي.
لم تكن حرب الكرامة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت معركة وعي وولاء وانتماء، ظهر فيها من ثبت على العهد، كما ظهر – للأسف – من خان الوطن، سواء بزيٍّ عسكري، أو بربطة عنق سياسية، أو بمنبر إعلامي أو دعوي يشيع الفتنة ويكسر الصف.
الخيانة: جريمة شرعية ووطنية
الخيانة في المفهوم الشرعي والسياسي ليست مجرد رأي مخالف، ولا اجتهادًا خاطئًا، بل هي فعل مقصود يؤدي إلى إضعاف الوطن، أو تمكين العدو، أو ضرب الجبهة الداخلية.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (الأنفال: 27)
وحين تكون البلاد في حالة حرب، فإن الأمانة تتضاعف، والخيانة تتحول من خطأ أخلاقي إلى جريمة وجودية تمس دماء الناس وأمنهم ومستقبلهم.
خيانة العسكري: الطعنة الأقسى
كشفت الحرب عن نماذج من الخيانة العسكرية، تمثلت في:
التخاذل المتعمد في مواقع المسؤولية،
تسريب المعلومات الحساسة،
تعطيل الأوامر أو الالتفاف عليها،
ازدواجية الولاء تحت غطاء الوظيفة.
وهذا اللون من الخيانة هو الأخطر، لأنه يقتل الجندي قبل أن يواجه العدو. وقد قال النبي ﷺ:
«من غشّنا فليس منا»
فكيف بالغش في ساحات الدفاع عن الوطن؟
خيانة السياسي: تمييع الدم وتبرير العدوان
كما برزت خيانة سياسية مغلّفة بالشعارات، حين استُخدم المنصب العام:
لتبرير العدوان،
أو تمييع الجرائم،
أو ضرب الثوابت الوطنية،
أو تسويق الاستسلام والهزيمة على أنه “واقعية سياسية”.
وهنا لا يكون الخطر في القرار وحده، بل في شرعنة الخيانة وتحويلها إلى خطاب مقبول يضلل الرأي العام ويكسر إرادة الصمود.
دعاة الفتنة: الخيانة بالكلمة
ولعل أخطر ما كشفت عنه الحرب هو خيانة المنابر، حين تحولت بعض الأصوات الإعلامية أو الدعوية إلى أدوات:
لنشر الشك،
وبث الإشاعات،
والطعن في المؤسسات وقت المعركة،
وكسر الروح المعنوية للناس.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ (النساء: 83)
في زمن الحرب، الكلمة سلاح، ومن وجّهها ضد وطنه فقد خان، ولو لم يحمل بندقية.
آثار الخيانة: جرح عميق في جسد الوطن
لم تتوقف آثار الخيانة عند لحظة الحرب، بل امتدت لتشمل:
إطالة أمد الصراع،
مضاعفة معاناة الأبرياء،
تمزيق الثقة داخل المجتمع،
وإضعاف مناعة الدولة أمام الأزمات القادمة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
المحاسبة… عدل لا فوضى
إن التحذير من الخيانة لا يعني الفوضى، ولا التشهير، ولا الاتهام بلا بيّنة، بل يعني:
محاسبة عادلة بالقانون،
دون انتقام أو تصفية حسابات،
ودون حصانة لخائن تحت أي شعار أو غطاء.
فالعدل هو صمام الأمان، والحزم هو ضمانة عدم تكرار الخيانة.
خاتمة
لقد علمتنا حرب الكرامة أن الأوطان لا تُهزم من حدودها فقط، بل قد تُستنزف من داخلها، وأن الوعي والولاء والأمانة لا تقل أهمية عن السلاح. وسيبقى الوطن قويًا ما دام فيه:
جندي أمين،
وسياسي صادق،
وكلمة مسؤولة،
وشعب واعٍ لا يُخدع بالشعارات.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





