خواطر ابن الفضل لا تفرّقوا بين متماثلين اختبار المعيار لا الدفاع عن التجربة د. محمد فضل محمد

في خضم الجدل السياسي المحتدم، يكثر الحديث عن ضرورة تصنيف المؤتمر الوطني منظمةً إرهابية، بوصفه حزبًا مارس القمع، وانتهك الحقوق، وأساء استخدام السلطة.
هذا الطرح – من حيث المبدأ – لا يُناقَش هنا دفاعًا أو رفضًا، بل يُناقَش من زاوية المعيار الذي يستند إليه أصحابه فالسؤال الحقيقي ليس هل أخطأ المؤتمر الوطني أم لا؟ بل هل المعيار الذي يُستَخدم لتصنيفه يُطبَّق على الجميع؟
ان من ينادون بهذا التصنيف يستحضرون وقائع معروفة في الذاكرة السودانيةالاعتقالات التعسفية، القمع السياسي، ما عُرف ببيوت الأشباح، وتغوّل الأجهزة الأمنية على الحريات.
وبغضّ النظر عن الموقف من تلك المرحلة، فإن هذا الاستحضار يُستخدم لتأسيس وصف “الإرهاب” على أساس ممارسة العنف المنهجي ضد المدنيين لتحقيق غايات سياسية.
وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الأخلاقي.
إذا كان هذا هو تعريف الإرهاب،
فكيف يُطالَب بتجريم حزب سياسي بسبب ممارسات وقعت وهو في السلطة، بينما يُتجاهل – أو يُخفَّف – توصيف مليشيا مسلحة مارست قتلًا جماعيًا، واغتصابًا ممنهجًا، وتهجيرًا قسريًا، وتدميرًا شاملًا للمدن والقرى خارج أي إطار للدولة أو القانون؟ ليس هذا سؤال مقارنة لتبرئة طرف بإدانة آخر، بل سؤال اتساق: كيف يُشدَّد الوصف على تجربة سياسية مهما كانت قسوتها،
ويُتسامَح مع عنف دموي مباشر طال الملايين؟
والأكثر إرباكًا في هذا الخطاب أن القوة التي مارست هذا العنف الأشدّ،
لم تنشأ في فراغ، بل هي نتاج سياقات سياسية وأمنية معروفة،
ومع ذلك يجري التعامل معها اليوم كـ“حالة استثنائية” قابلة للتأجيل في التصنيف، أو كـ“ملف معقّد” لا يحتمل الحسم الأخلاقي فإذا كان منطق التصنيف قائمًا على حماية المدنيين، وصون كرامتهم،
ورفض استخدام العنف كأداة سياسة، فإن تجاهل من مارس هذه الجرائم على نطاق أوسع يُسقط المعيار نفسه، لا الطرف المختلف معه. والمفارقة أن الخطاب الذي يرفع راية العدالة، يقع – من حيث لا يشعر – في انتقائية أخلاقية:
يُشدّد حيث تخدمه الإدانة سياسيًا،
ويُخفّف حيث تُربك الإدانة تحالفاته.
وهنا لا يعود النقاش نقاش مبادئ،
بل نقاش مواقف.
إن من يطالب بتصنيف هذا الطرف،
عليه – إن كان صادقًا مع منطقه –
أن يكون أكثر صرامة مع من مارس ما هو أفظع، لا أن يُعيد تعريف الجريمة بحسب موقع الفاعل منها.
القاعدة بسيطة ولا تحتمل الالتفاف: إذا استُخدم معيار الإرهاب،
فيجب أن يُطبَّق على كل من استوفاه، لا على من انتهى دوره السياسي فقط أما التفريق بين متماثلين في الفعل، فليس اجتهادًا سياسيًا، بل خلل أخلاقي يُفرغ مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان من معناها.
وهذه ليست مرافعة عن حزب، ولا تبرئة لتجربة، بل مساءلة لخطاب
يريد إدانة الماضي، ويتعايش مع حاضرٍ أكثر دمويّة.
حكايتي مع التماثيل والصور
كم أجد نفسي وقافا بين يدي هذه الآية الكريمة من سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُ…





