ياسر يوسف .. بن عربي يَجْمعُنا .. حسن فضل المولى

أتابع كثيراً ما يكتبه ،
و ما يقوله عن ( الراهن السوداني ) ..
و هو طرح ينم عن فهم و إدراك عميقين لأبعاد الاستهداف الذي
يتعرض له ( السودان ) ..
و هذا مبحث مبذول لمن قصده ،
و ألقى إليه السمع و النظر ..
و لكني في هذا المقام أنحو في
اتجاه مُغاير ،
فلقد أراحني كثيراً ، و هو يستعرض ،
في صفحته ، رواية ( موت صغير ) للكاتب ( محمد حسن علوان ) ..
و هي ( الرواية ) التي فازت بجائزة
( الرواية العربية ٢٠١٥ ) ..
و تحكي عن الصوفية بوجهيها ،
القاسي ،
و الناعم ،
من خلال ( رحلة ) ،
الشيخ ( محي الدين بن عربي ) ،
تلك ( الرحلة ) الباذخة ،
المُتَقلِّبة ،
الباحثة عن اليقين ، في سفرٍ مكاني ،
و زماني ،
و و جداني ..
و هي ( رحلة ) أوسع من نحيط بها ،
و أعمق من أن نسبر غورها ،
و أعقد من أن نفك طلاسمها ،
و أجمل من أن ندرك منتهى روائها ..
( فابن عربي ) هو ( رحلة ) من
التضرع الخاشع :
( إلهي ما أحببتك وحدي ،
لكن أحببتك وحدك ) ..
و النفس اللوامة :
( لاشيء يوجعني مثل ذنوبي ) ..
ثمَّ :
( طهر قلبك ثم اتبعه ) ..
ذلك أن :
( الطريق طريق الله ،
فإذا كان الله الذي يختار ،
فلماذا العبد يُحار ) ..
و اعلم :
( أن الزهد في الباطن ، و ليس
في الظاهر ) ..
و اعلم أن :
( الحُر من ملك الأمور و لم تملكه ) ..
و كن على يقين أن :
( من صَحِبك لذاتِكَ فعوِّل عليه ) ..
و كن على يقين :
( لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توّقِر
جميع الخلائق ) ،
و ( من طلب السلطَنَةَ على الخَلق
ملأ الله قلبه شغلاً ) ..
و ( اعتزل الناس ليسلموا منك
لا لتسلم منهم ) ..
و ما أدراك ما الحب :
( الحب موت صغير ) ،
و ( كل حب يكون معه طلب ،
لا يعوَّل عليه ) ..
و يا أيُّها الإنسان :
( أنت أيها الإنسان ،
أنت المصباح ،
و الفتيلة ،
و المشكاة ،
و الزجاجة ) ..
و أنت بين يدي الشيخ ( بن عربي ) ،
تتذوق حلاوة ذلك الاحساس الراقي
الذي أودعه ديوانه الأجرأ و الأشهر
و الأمتع :
( ترجمان الأشواق ) ، عن لغة
العشق و الإشتياق ..
لقد غمرتني هذه ( الرواية ) بمشاعر
أضاءت جوانحي بمعانٍ كنت
أحتاجها ،
فغيرت نظرتي إلى كثيرٍ من المُسَلَمات
المُقعِدات ،
و ألهمتني كيف أجد السكينة
و الاطمئنان في قلب العواصف ..
لذا ،
أوصيكم بقراءتها ، و من لم يفعل
فقد فاته خيرٌ كثير ..
و أذكر أنني بمجرد أن فرغت من
قراءتها هاتفت صديقي
( عادل أحمد إدريس ) لمعرفتي
بشغفه بمثل هذه ( التجليِّات ) ،
و دعوتُهُ للبحث بأعجل ماتيسر
عن ( رواية موت صغير ) ، الصادرة
عن ( دار الساقي لندن ) ، فكانت دهشتي عندما أخبرني أنه الآن
بجوار ( دار الساقي ) في ( لندن ) ..
و أدْمَنها من يومه ..
و أصبحت هذه ( الرواية ) مثار
حديثنا الذي لا ينتهي إلا ليبدأ ..
و أُحدِّثُ قليلاً عن الدكتور ( ياسر ) ،
و هو عندي من الذين ( يُعوَّل عليهم ) ..
إذ أنه مِقدامٌ مُبادر ،
و مُنَقِّب باحث ،
و مفكر ذو رؤية ثاقبة ،
و منفتح على أفكار و طرائق الآخرين ،
و له أسلوب ناعم و رقيق في الإدارة ..
و راقي و مُهندم ،
و هذه ليست من عندي ،،
( هل صحيح راقي و مهندم
و هل ببكي الريد عيونو ؟ ) ..
و السؤال للشاعر ( حسن الزبير ) ،
مما تغنى له به ( الطيب مدثر ) ،،
( ليه حياتنا اخترت غيره
فيها أحلامنا و كلامنا
فيها حاجاتنا الصغيرة ) ..
و ( ياسر ) رحيب ،
ذلك أن الذي يمتهن ( العمل العام ) ،
وبه ( رحابة ) ،
تجده يجتهد في أن يسع الناس
على اختلافهم ..
فكل اجتهاد عنده له تقدير ،
و كل طرح عنده له تحليل ،
و كل مسألةٍ عنده لها تأويل ..
و هذا ما يَسِمُ ( ياسر يوسف ) ،
إنها تلك ( الرحابة ) ،
و تلك ( السعة ) ،
و ذلك ( التصالُح ) ،
حتى أنك تستبعد أن يسعه إطار ..
و مما زادني و ضاعف من تقديري
له ، أنه و هو ( وزير دولة بالإعلام ) ،
و أنا أقوم ( على قناة النيل الأزرق ) ،
لم يكن يوماً متنفِّذاً أمَّاراً ،
( افعلوا ،
أو لا تفعلوا ،
أو لماذا فعلتم ) ..
و أنا بالرغم من تجنبي الاحتكاك ،
أو ( ملاواة ) المسؤولين ، إلا عند
الضرورة القصوى ، فلم يحوجني
يوماً إلى مُخاشنة أو مداهنة ..
و لعل ( ياسر ) كان محظوظاً بمن
عمل معهم ،
و يقيني أن من عملوا معه كانوا
حفيين به ،
و كان هو منيعاً بهم ..
كانت ( وزارة الإعلام ) يومها نابضة
بالحياة ..
و كيلها الدكتور الأنيق ( عبد الماجد هارون ) ،
و هو ذلك الفتي الذي أوتي رجاحة
عقل ،
و حسن تدبير ،
و دمعاً عصيَّاً ..
و قد خلف ( عبدالدافع الخطيب ) ، الرجل المُضيء ، الذي يملأ الأمكنة بلطفه و نبله ، و تغمرك أفضاله
بلا مَنٍ و لا انقطاع ..
و بينهم ( سمية الهادي ) ،
التي تعمل في صمت و وقار ،
و تباشرك بكلام ضاحك ،
و وجه يبعث على الارتياح ..
و وزيرهم ( الدكتور أحمد بلال ) ،
و ما أدراك ما ( أحمد بلال ) ،
التواضع و بذل المودة ،
و أنت تتعامل معه تجده ملِكاً ،
مُتوجاً بكل قرائن النبل و السمو ،
و كان قريباً منا في ( القناة ) ..
و كنت أجده باراً بالأستاذ
( السر قدور ) ،
و كان ( السر ) مُحباً له ، و يبدو في
غاية السعادة و هو يلتقي به في
كل جيئة له إلى ( السودان ) ..
و كان حضوراً في إحدى ( حلقات )
البرنامج على وقع :
( إن تريدي ياليالي تسعدينا
تجمعينا كما كنا
ما تلمي زول علينا ) ..
و أنا على الصعيد العملي ممتن
( لياسر يوسف ) بموقف لم يبرح
ذهني ، أذكره هنا بشيء من
التفصيل لأُدَلِل به على حُسن صنيع
المسؤول عندما يتبوأ مقعدَ رُشدٍ
و حُسن قِوامة ..
عندما آل إليّ أمر ( النيل الأزرق ) ،
كانت ( مُشفَّرة ) ضمن باقة ( ART ) ،
و يزيد مشتركوها على ( العشرين
ألف ) قليلاً ..
و كانت تبث على ( القمرين ) ،
( عربسات ) و ( نايل سات ) ..
وكان الشيخ ( صالح كامل ) يتحمل
عبء ( القمرين ) ،
و ينهض (تلفزيون السودان )
بميزانية ( التسيير ) ..
و جاء وقت بدء فيه ( الشريكان )
يلوحان بنيتهما رفع ( الدعم ) ..
و عندما شكوتُ مخاوفي من عواقب
هذا ( التخلي ) إلى الدكتور
( أمين حسن عمر ) ، بوصفه
( رئيس اللجنة التنفيذية للقناة ) ،
و هو من له عليّ أفضالٌ كثيرة ،
في مسيرتي العملية ، قال لي :
( أُمال نحن جبناك ليه !! ) ..
و حتى أنجو بالقناة من الغرق ،
عملت على فك التشفير تحقيقاً
لمشاهدة أوسع ،
و تبعاً لذلك نشطت في تسويق
القناة ( للمُعلنين ) الذين أخذوا
يتقاطرون ،
و هذا اقتضاني أن أتدرج بساعات
البث من ( عشر ساعات ) إلى مدى اليوم كله ،
و الأمر الثالث أزمعت الإنسحاب
من ( عربسات ) ، رغم عِظم شأنه ،
و الاكتفاء بالبث على ( النايل سات ) ،
و هو المدار الذي يُصوب السودانيون أطباقهم تلقاءه ..
مع الاكتفاء بثلاث ( ميغات ) بدلاً
من خمس ..
و تحقق لنا ما أردنا بتوفيق من الله ..
و جاء وقتٌ أطلق فيه ( عربسات )
خدمة أكثر تطوراً و أقل كلفة ،
مع بعض الحوافز ، و لكنهم
اشترطوا علينا ( الحصرية ) ، أي
أن لا نشرك به ( خدمة أخرى ) ..
و انضمت إلى هذه ( الخدمة ) قناة ( النيلين الرياضية ) ، في عهد مديرها يومذاك الأستاذ ( خالد الإعيسر ) ..
و كان أن قاومنا كل الدعوات
الرسمية و غير الرسمية للانضمام
لهذه الخدمة بذلك القيد مخافة
أن تتراجع ( المشاهدة ) و يتراجع
تبعاً لذلك ( الإعلان ) ..
و نَجوْنا هذه المرة ..
و تصرمت أعوام شهدت بعض المستجدات ، لعل أهمها إطلاق
( سودانية ٢٤ ) ، و التي آثرت
لتقديرات تخصها ، البث حصرياً
على ( عربسات ) ،
و ليس ذلك فحسب بل كان هناك تصميم من ( طرف ما ) بضرورة
إلحاق ( النيل الأزرق ) بقناة
( سودانية ٢٤ ) ، و من أجل ذلك استنصر ( بوجدي ميرغني ) ،
فلم يفلح في حَمْلِه على حملِنا ،
ذلك أن ( وجدي ) كان لا يتدخل ،
و يسوسنا بسياسة أنتم أعلم
بشؤون ( قناتكم ) ..
و يوماً طلب مني ( ياسر يوسف ) ،
بوصفه ( وزير الدولة للإعلام ) ،
و القيادي ( بالمؤتمر الوطني )
الحضور ، فأسرعت إليه ..
و عرض عليَّ ( خطاباً ) مُعمَّداً إلى
( حزب المؤتمر الوطني ) ، بصورة
إلى ( جهاز الأمن و المخابرات ) ، يُلِحُّ على ( الجهتين النافذتين ) بضروة الضغط على ( قناة النيل الأزرق )
للإنتقال ( حصرياً ) إلى باقة
( عرب سات ) ، أسوة ( بكذا ) ،
و ( كذا ) ، مُعدداً جُملة أسباب
أبرزها مقتضيات ( الأمن القومي ) ..
لقد استمع إليَّ ( ياسر ) جيداً ، و أنا
أبدي تحفظاتي على الصيغة
المطروحة ، و ما ورد في ( الخطاب )
من ( مُحرِضات ) ،
و ختمت ( مرافعتي ) متعجباً :
” أين ( الأمن القومي ) و أنت تضع
كل ( قنواتك ) في ( سلة قمر )
واحد !!! ” ..
و ما أن أنهيت حديثي حتى التقط
( هاتفه ) متصلاً :
“يا سعادتك ،
بخصوص موضوع ( النيل الأزرق )
أنا ناديت ( حسن ) و هسه هو معاي ،
و سمعت منو ،
عندو مبررات مختلفة و مُقنعة ” ..
و لم يَزِد .
و أذِن لي بالانصراف ..
و قُضي الأمر على نحو ما ارتأينا ..
و قد تبين فيما بعد كم كنا مُحقين
فيما ارتأينا ..
تحياتي لك دكتور ( ياسر يوسف ) ..
و السلام ..
١٠ يناير ٢٠٢٦ ..
موسم جديد من تسكت بس ؟!
أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ ليس أن يُستهدف… بل أن يُعاد تشكيل وعيه حتى لا يدرك أنه يُستهدف.…





