‫الرئيسية‬ مقالات ياسر يوسف .. بن عربي يَجْمعُنا ..  حسن فضل المولى
مقالات - يناير 11, 2026

ياسر يوسف .. بن عربي يَجْمعُنا ..  حسن فضل المولى

أتابع كثيراً ما يكتبه ،

و ما يقوله عن ( الراهن السوداني ) ..

و هو طرح ينم عن فهم و إدراك عميقين لأبعاد الاستهداف الذي

يتعرض له ( السودان ) ..

و هذا مبحث مبذول لمن قصده ،

و ألقى إليه السمع و النظر ..

و لكني في هذا المقام أنحو في

اتجاه مُغاير ،

فلقد أراحني كثيراً ، و هو يستعرض ،

في صفحته ، رواية ( موت صغير ) للكاتب ( محمد حسن علوان ) ..

و هي ( الرواية ) التي فازت بجائزة

( الرواية العربية ٢٠١٥ ) ..

و تحكي عن الصوفية بوجهيها ،

القاسي ،

و الناعم ،

من خلال ( رحلة ) ،

الشيخ ( محي الدين بن عربي ) ،

تلك ( الرحلة ) الباذخة ،

المُتَقلِّبة ،

الباحثة عن اليقين ، في سفرٍ مكاني ،

و زماني ،

و و جداني ..

و هي ( رحلة ) أوسع من نحيط بها ،

و أعمق من أن نسبر غورها ،

و أعقد من أن نفك طلاسمها ،

و أجمل من أن ندرك منتهى روائها ..

( فابن عربي ) هو ( رحلة ) من

التضرع الخاشع :

( إلهي ما أحببتك وحدي ،

لكن أحببتك وحدك ) ..

و النفس اللوامة :

( لاشيء يوجعني مثل ذنوبي ) ..

ثمَّ :

( طهر قلبك ثم اتبعه ) ..

ذلك أن :

( الطريق طريق الله ،

فإذا كان الله الذي يختار ،

فلماذا العبد يُحار ) ..

و اعلم :

( أن الزهد في الباطن ، و ليس

في الظاهر ) ..

و اعلم أن :

( الحُر من ملك الأمور و لم تملكه ) ..

و كن على يقين أن :

( من صَحِبك لذاتِكَ فعوِّل عليه ) ..

و كن على يقين :

( لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توّقِر

جميع الخلائق ) ،

و ( من طلب السلطَنَةَ على الخَلق

ملأ الله قلبه شغلاً ) ..

و ( اعتزل الناس ليسلموا منك

لا لتسلم منهم ) ..

و ما أدراك ما الحب :

( الحب موت صغير ) ،

و ( كل حب يكون معه طلب ،

لا يعوَّل عليه ) ..

و يا أيُّها الإنسان :

( أنت أيها الإنسان ،

أنت المصباح ،

و الفتيلة ،

و المشكاة ،

و الزجاجة ) ..

و أنت بين يدي الشيخ ( بن عربي ) ،

تتذوق حلاوة ذلك الاحساس الراقي

الذي أودعه ديوانه الأجرأ و الأشهر

و الأمتع :

( ترجمان الأشواق ) ، عن لغة

العشق و الإشتياق ..

لقد غمرتني هذه ( الرواية ) بمشاعر

أضاءت جوانحي بمعانٍ كنت

أحتاجها ،

فغيرت نظرتي إلى كثيرٍ من المُسَلَمات

المُقعِدات ،

و ألهمتني كيف أجد السكينة

و الاطمئنان في قلب العواصف ..

لذا ،

أوصيكم بقراءتها ، و من لم يفعل

فقد فاته خيرٌ كثير ..

و أذكر أنني بمجرد أن فرغت من

قراءتها هاتفت صديقي

( عادل أحمد إدريس ) لمعرفتي

بشغفه بمثل هذه ( التجليِّات ) ،

و دعوتُهُ للبحث بأعجل ماتيسر

عن ( رواية موت صغير ) ، الصادرة

عن ( دار الساقي لندن ) ، فكانت دهشتي عندما أخبرني أنه الآن

بجوار ( دار الساقي ) في ( لندن ) ..

و أدْمَنها من يومه ..

و أصبحت هذه ( الرواية ) مثار

حديثنا الذي لا ينتهي إلا ليبدأ ..

 

و أُحدِّثُ قليلاً عن الدكتور ( ياسر ) ،

و هو عندي من الذين ( يُعوَّل عليهم ) ..

إذ أنه مِقدامٌ مُبادر ،

و مُنَقِّب باحث ،

و مفكر ذو رؤية ثاقبة ،

و منفتح على أفكار و طرائق الآخرين ،

و له أسلوب ناعم و رقيق في الإدارة ..

و راقي و مُهندم ،

و هذه ليست من عندي ،،

( هل صحيح راقي و مهندم

و هل ببكي الريد عيونو ؟ ) ..

و السؤال للشاعر ( حسن الزبير ) ،

مما تغنى له به ( الطيب مدثر ) ،،

( ليه حياتنا اخترت غيره

فيها أحلامنا و كلامنا

فيها حاجاتنا الصغيرة ) ..

 

و ( ياسر ) رحيب ،

ذلك أن الذي يمتهن ( العمل العام ) ،

وبه ( رحابة ) ،

تجده يجتهد في أن يسع الناس

على اختلافهم ..

فكل اجتهاد عنده له تقدير ،

و كل طرح عنده له تحليل ،

و كل مسألةٍ عنده لها تأويل ..

و هذا ما يَسِمُ ( ياسر يوسف ) ،

إنها تلك ( الرحابة ) ،

و تلك ( السعة ) ،

و ذلك ( التصالُح ) ،

حتى أنك تستبعد أن يسعه إطار ..

و مما زادني و ضاعف من تقديري

له ، أنه و هو ( وزير دولة بالإعلام ) ،

و أنا أقوم ( على قناة النيل الأزرق ) ،

لم يكن يوماً متنفِّذاً أمَّاراً ،

( افعلوا ،

أو لا تفعلوا ،

أو لماذا فعلتم ) ..

و أنا بالرغم من تجنبي الاحتكاك ،

أو ( ملاواة ) المسؤولين ، إلا عند

الضرورة القصوى ، فلم يحوجني

يوماً إلى مُخاشنة أو مداهنة ..

 

و لعل ( ياسر ) كان محظوظاً بمن

عمل معهم ،

و يقيني أن من عملوا معه كانوا

حفيين به ،

و كان هو منيعاً بهم ..

كانت ( وزارة الإعلام ) يومها نابضة

بالحياة ..

و كيلها الدكتور الأنيق ( عبد الماجد هارون ) ،

و هو ذلك الفتي الذي أوتي رجاحة

عقل ،

و حسن تدبير ،

و دمعاً عصيَّاً ..

و قد خلف ( عبدالدافع الخطيب ) ، الرجل المُضيء ، الذي يملأ الأمكنة بلطفه و نبله ، و تغمرك أفضاله

بلا مَنٍ و لا انقطاع ..

و بينهم ( سمية الهادي ) ،

التي تعمل في صمت و وقار ،

و تباشرك بكلام ضاحك ،

و وجه يبعث على الارتياح ..

و وزيرهم ( الدكتور أحمد بلال ) ،

و ما أدراك ما ( أحمد بلال ) ،

التواضع و بذل المودة ،

و أنت تتعامل معه تجده ملِكاً ،

مُتوجاً بكل قرائن النبل و السمو ،

و كان قريباً منا في ( القناة ) ..

و كنت أجده باراً بالأستاذ

( السر قدور ) ،

و كان ( السر ) مُحباً له ، و يبدو في

غاية السعادة و هو يلتقي به في

كل جيئة له إلى ( السودان ) ..

و كان حضوراً في إحدى ( حلقات )

البرنامج على وقع :

( إن تريدي ياليالي تسعدينا

تجمعينا كما كنا

ما تلمي زول علينا ) ..

 

و أنا على الصعيد العملي ممتن

( لياسر يوسف ) بموقف لم يبرح

ذهني ، أذكره هنا بشيء من

التفصيل لأُدَلِل به على حُسن صنيع

المسؤول عندما يتبوأ مقعدَ رُشدٍ

و حُسن قِوامة ..

عندما آل إليّ أمر ( النيل الأزرق ) ،

كانت ( مُشفَّرة ) ضمن باقة ( ART ) ،

و يزيد مشتركوها على ( العشرين

ألف ) قليلاً ..

و كانت تبث على ( القمرين ) ،

( عربسات ) و ( نايل سات ) ..

وكان الشيخ ( صالح كامل ) يتحمل

عبء ( القمرين ) ،

و ينهض (تلفزيون السودان )

بميزانية ( التسيير ) ..

و جاء وقت بدء فيه ( الشريكان )

يلوحان بنيتهما رفع ( الدعم ) ..

و عندما شكوتُ مخاوفي من عواقب

هذا ( التخلي ) إلى الدكتور

( أمين حسن عمر ) ، بوصفه

( رئيس اللجنة التنفيذية للقناة ) ،

و هو من له عليّ أفضالٌ كثيرة ،

في مسيرتي العملية ، قال لي :

( أُمال نحن جبناك ليه !! ) ..

و حتى أنجو بالقناة من الغرق ،

عملت على فك التشفير تحقيقاً

لمشاهدة أوسع ،

و تبعاً لذلك نشطت في تسويق

القناة ( للمُعلنين ) الذين أخذوا

يتقاطرون ،

و هذا اقتضاني أن أتدرج بساعات

البث من ( عشر ساعات ) إلى مدى اليوم كله ،

و الأمر الثالث أزمعت الإنسحاب

من ( عربسات ) ، رغم عِظم شأنه ،

و الاكتفاء بالبث على ( النايل سات ) ،

و هو المدار الذي يُصوب السودانيون أطباقهم تلقاءه ..

مع الاكتفاء بثلاث ( ميغات ) بدلاً

من خمس ..

و تحقق لنا ما أردنا بتوفيق من الله ..

و جاء وقتٌ أطلق فيه ( عربسات )

خدمة أكثر تطوراً و أقل كلفة ،

مع بعض الحوافز ، و لكنهم

اشترطوا علينا ( الحصرية ) ، أي

أن لا نشرك به ( خدمة أخرى ) ..

و انضمت إلى هذه ( الخدمة ) قناة ( النيلين الرياضية ) ، في عهد مديرها يومذاك الأستاذ ( خالد الإعيسر ) ..

و كان أن قاومنا كل الدعوات

الرسمية و غير الرسمية للانضمام

لهذه الخدمة بذلك القيد مخافة

أن تتراجع ( المشاهدة ) و يتراجع

تبعاً لذلك ( الإعلان ) ..

و نَجوْنا هذه المرة ..

و تصرمت أعوام شهدت بعض المستجدات ، لعل أهمها إطلاق

( سودانية ٢٤ ) ، و التي آثرت

لتقديرات تخصها ، البث حصرياً

على ( عربسات ) ،

و ليس ذلك فحسب بل كان هناك تصميم من ( طرف ما ) بضرورة

إلحاق ( النيل الأزرق ) بقناة

( سودانية ٢٤ ) ، و من أجل ذلك استنصر ( بوجدي ميرغني ) ،

فلم يفلح في حَمْلِه على حملِنا ،

ذلك أن ( وجدي ) كان لا يتدخل ،

و يسوسنا بسياسة أنتم أعلم

بشؤون ( قناتكم ) ..

و يوماً طلب مني ( ياسر يوسف ) ،

بوصفه ( وزير الدولة للإعلام ) ،

و القيادي ( بالمؤتمر الوطني )

الحضور ، فأسرعت إليه ..

و عرض عليَّ ( خطاباً ) مُعمَّداً إلى

( حزب المؤتمر الوطني ) ، بصورة

إلى ( جهاز الأمن و المخابرات ) ، يُلِحُّ على ( الجهتين النافذتين ) بضروة الضغط على ( قناة النيل الأزرق )

للإنتقال ( حصرياً ) إلى باقة

( عرب سات ) ، أسوة ( بكذا ) ،

و ( كذا ) ، مُعدداً جُملة أسباب

أبرزها مقتضيات ( الأمن القومي ) ..

لقد استمع إليَّ ( ياسر ) جيداً ، و أنا

أبدي تحفظاتي على الصيغة

المطروحة ، و ما ورد في ( الخطاب )

من ( مُحرِضات ) ،

و ختمت ( مرافعتي ) متعجباً :

” أين ( الأمن القومي ) و أنت تضع

كل ( قنواتك ) في ( سلة قمر )

واحد !!! ” ..

و ما أن أنهيت حديثي حتى التقط

( هاتفه ) متصلاً :

“يا سعادتك ،

بخصوص موضوع ( النيل الأزرق )

أنا ناديت ( حسن ) و هسه هو معاي ،

و سمعت منو ،

عندو مبررات مختلفة و مُقنعة ” ..

و لم يَزِد .

و أذِن لي بالانصراف ..

و قُضي الأمر على نحو ما ارتأينا ..

و قد تبين فيما بعد كم كنا مُحقين

فيما ارتأينا ..

 

تحياتي لك دكتور ( ياسر يوسف ) ..

و السلام ..

١٠ يناير ٢٠٢٦ ..

‫شاهد أيضًا‬

موسم جديد من تسكت بس ؟!

أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ ليس أن يُستهدف… بل أن يُعاد تشكيل وعيه حتى لا يدرك أنه يُستهدف.…