خواطر ابن الفضل ألف يوم من حرب السودان التفاوض أم الحسم العسكري في معركة الدولة واللادولة د. محمد فضل محمد

بعد ألف يوم من حرب السودان، لم يعد النقاش حول التفاوض أو الحسم نقاشًا نظريًا، ولا ترفًا سياسيًا، بل أصبح سؤال بقاء دولة.
فما يجري اليوم لم يعد صراعًا على السلطة، ولا خلافًا حول برامج الحكم، وإنما مواجهة مفتوحة بين منطق الدولة ومنطق السلاح الخارج عنها.
ومن حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن السلام هو الغاية الأسمى لكل الشعوب، غير أن التجربة السودانية خلال هذه الحرب أثبتت أن ليس كل تفاوض طريقًا للسلام، وأن السلام الذي لا يُنهي التمرد، ولا يستعيد سيادة الدولة، ليس سوى هدنة مؤقتة تُعيد إنتاج الحرب بصيغة أكثر عنفًا، وطوال ألف يوم، جُرّبت مسارات تفاوضية متعددة، لكن معظمها لم يتجاوز إدارة الأزمة بدل حلّها.
هدن إنسانية لم تُحترم،ووساطات افتقرت إلى أدوات الضغط ومقاربات دولية ساوت – عمليًا – بين الدولة ومن تمرّد عليها بالسلاح.
والنتيجة كانت واحدة: السلاح باقٍ في المدن، والانتهاكات مستمرة، والدولة مطالَبة دائمًا بضبط النفس، بينما يُترك التمرد بلا مساءلة حقيقية.
ان المشكلة لم تكن في مبدأ التفاوض، بل في المنطق الذي أُدير به. فعندما يُعامل التمرد بوصفه طرفًا سياسيًا مكافئًا، لا خطرًا وجوديًا على الدولة، يتحول التفاوض من وسيلة للسلام إلى آلية لإطالة أمد الصراع، بل إلى مكافأة غير مباشرة لمنطق السلاح. وفي هذا السياق، جاءت اتفاقية جدة – رغم تعثرها – باعتبارها الإطار الأقرب لمنطق الدولة، لأنها حدّدت بوضوح ضرورة خروج المتمردين من المدن وحماية المدنيين. كما انسجمت معها مبادرة رئيس مجلس الوزراء، البروفيسور كامل إدريس، التي أعادت توصيف الحرب بوصفها أزمة سيادة لا صفقة سياسية.
ولأن المبادرة وضعت هذه الحقيقة في صلبها، فقد رُفضت من قبل التمرد وصمود فهي لا تمنح شرعية للسلاح، ولا تفتح باب المكافأة السياسية للتمرد، ولا تتجاوز ملف الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت بحق المدنيين. وفي الوقت نفسه، لم تُغلق باب المشاركة السياسية المدنية، بل حصرت الإقصاء فيمن حمل السلاح أو حرّض عليه أو تورّط في جرائم ضد الإنسانية.
عند هذه النقطة، يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله:
ماذا تفعل الدولة حين يُغلق التمرد كل أبواب السياسة؟
فإن الحسم العسكري لا يكون خيارًا مثاليًا، ولا دعوة للاحتفاء بالحرب، ولا تجاهلًا لكلفتها الإنسانية. لكنه – بعد ألف يوم من استنزاف الدولة – بات الخيار الذي تفرضه الوقائع حين تفشل كل البدائل الأخرى.
فالدولة التي لا تحسم حين يُهدَّد كيانها، تتآكل تدريجيًا، وتتحول إلى ساحة مفتوحة للابتزاز المسلح.
لم تعد المعركة اليوم بين دعاة سلام ودعاة حرب، بل بين دولة تسعى لاستعادة احتكارها المشروع للقوة، وواقع لادولة يُدار بالميليشيات والهدن المؤقتة. وفي هذا السياق، لا يزال الجيش السوداني – رغم الكلفة والأخطاء – يمثل الإطار الأخير الذي يمنع اكتمال انهيار الدولة.
أما المجتمع الدولي، فقد اكتفى – في الغالب – بلغة القلق، دون الانتقال إلى ضغط فعلي يفرض على المتمردين القبول بحل يعيد للدولة سيادتها. إن المساواة الشكلية بين الدولة ومن يرفع السلاح ضدها لا تمثل حيادًا، بل انحيازًا غير مباشر ضد منطق الدولة.
الخلاصة
وبعد ألف يوم من الحرب، لم يعد التفاوض بصيغته الحالية مسارًا واقعيًا للسلام، بل أصبح أحد عوامل إطالة الصراع والسلام لا يزال ممكنًا، لكنه مشروط بقبول منطق الدولة، لا منطق السلاح.أما الحسم العسكري، ورغم كلفته، فقد بات الخيار الأخير لدولة ترفض أن تُكافئ التمرد أو تؤجّل انفجارًا قادمًا أشد عنفًا.فالسلام الذي يُكافئ التمردليس سلامًا بل تأجيلٌ لحربٍ قادمة،بثمنٍ أعلى،وخسارةٍ أوسع.
تقرير مثير..مليشيا آل دقلو تهدد أمن عدد من الدول
كشفت تقارير ميدانية خطيرة عن تحول تحركات المليشيا المتمردة إلى وباء عابر للحدود يتجاوز الج…





