‫الرئيسية‬ مقالات حديث الساعة إلهام سالم منصور فضيحة حليب الأطفال الملوّث… جريمة مكتملة الأركان وصمت لا يُغتفر
مقالات - يناير 16, 2026

حديث الساعة إلهام سالم منصور فضيحة حليب الأطفال الملوّث… جريمة مكتملة الأركان وصمت لا يُغتفر

ما صدر من تحذير عن الهيئة القومية للمواصفات والمقاييس بشأن دخول حليب أطفال ملوّث بسموم خطِرة إلى السودان لا يمكن التعامل معه كخبر عابر، ولا كبيان روتيني يُقرأ ثم يُنسى. نحن أمام كارثة أخلاقية ووطنية وصحية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأمام جريمة مكتملة الأركان ضحيتها أطفال أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في وطن تُخترق حدوده الغذائية والصحية من بواباته الرسمية.

 

الأخطر والأفدح أن الهيئة نفسها أقرت بأن هذا الحليب دخل البلاد عبر موانئ ومعابر وقنوات رسمية “كويس”. وهذه الكلمة وحدها كافية لإشعال ألف علامة استفهام، وألف غضب، وألف اتهام مباشر لمن يفترض أنهم حُرّاس صحة المواطن.

أولًا: هذا ليس خطأ إداري… هذه خيانة للواجب

 

حين يدخل غذاء الأطفال — أخطر وأدق منتج غذائي — وهو ملوّث بسموم، فذلك لا يُسمّى إهمالًا، بل تفريطًا وجريمة تستوجب المحاسبة. أين كانت المواصفات؟ أين كانت المعامل؟ أين كانت العين الساهرة؟ أم أن الأبواب فُتحت بلا فحص، وبلا ضمير، وبلا اعتبار لحياة الأطفال؟

 

إذا كان هذا المنتج دخل عبر القنوات الرسمية، فالمسؤولية لا تقع على المواصفات وحدها، بل تمتد إلى كل جهة وقّعت، وكل جهة ختمت، وكل جهة سكتت. الصمت هنا شراكة في الجريمة.

ثانيًا: من يعبث بأمن الغذاء يعبث بأمن الدولة

 

أمن الغذاء جزء لا يتجزأ من الأمن القومي. ومن يسمح بدخول سموم إلى غذاء الأطفال إنما يوجّه طعنة مباشرة في قلب الوطن. نحن لا نتحدث عن سلع كمالية، بل عن أجيال كاملة. أطفال اليوم هم شباب الغد، والعبث بصحتهم هو عبث بمستقبل السودان نفسه.

هذا يفتح سؤالًا مرعبًا:

إذا دخل حليب أطفال ملوّث، ماذا غيره دخل؟

أدوية؟ أغذية؟ مياه؟ مواد استهلاكية؟

ومن يضمن للمواطن أن ما بين يديه اليوم آمن؟

ثالثًا: توقيت التصريح كارثي ويضرب الثقة في مقتل

المواطن السوداني اليوم يعيش واحدة من أصعب مراحل تاريخه، ويقدّم التضحيات، ويثبت ولاءه لوطنه وقيادته رغم الجراح. في هذا التوقيت تحديدًا، يخرج تصريح بهذا الحجم، دون تفاصيل، دون خطة واضحة، دون طمأنة، ودون محاسبة.

النتيجة؟

زرع الشك في الدولة نفسها، وإرباك الأسر، وترويع الأمهات، وإحساس عام بأن المواطن متروك لمصيره.

الدولة التي تطالب مواطنيها بالثقة، يجب أن تحميهم أولًا، لا أن تضعهم أمام أخبار مفزعة ثم تصمت.

رابعًا: أين حق المواطن في المعرفة؟

لا يكفي أن تقول المواصفات “حليب ملوّث”. هذا استهتار بعقول الناس.

نريد إجابات واضحة لا تقبل التأجيل:

ما اسم المنتج؟

ما اسم الشركة؟

ما بلد المنشأ؟

ما نوع السم أو المادة الخطِرة؟

ما تأثيرها على الأطفال؟

ما أعراضها الفورية والمستقبلية؟

كم طفلًا يُشتبه في تعرضه لها؟

ماذا تفعل الأم إذا شكّت أن طفلها تناول هذا الحليب؟

أي تحذير بلا هذه التفاصيل هو تحذير ناقص ومضر، ويحوّل الخوف إلى فوضى.

خامسًا: إذا استُهلك الحليب… فالمصيبة أعظم

إذا كان هذا الحليب قد بيع بالفعل في الأسواق، فنحن أمام مأساة حقيقية. أطفال لا يستطيعون الكلام، ولا الدفاع عن أنفسهم، ولا اختيار غذائهم، ربما دخل السم إلى أجسادهم.

هنا يصبح الصمت جريمة أخلاقية.

هنا يصبح التراخي دمًا في رقاب المسؤولين.

كان واجب المواصفات ووزارة الصحة فتح خطوط طوارئ، وإعلان مستشفيات محددة، وتوفير فحوصات مجانية، وتوعية عاجلة، لا الاكتفاء ببيان بارد.

سادسًا: أين الرقابة اليومية؟ أين حماية المستهلك؟

المواصفات ليست مكتب بيانات، بل جهاز رقابي ميداني.

مكانها الطبيعي:

في الموانئ

في المعابر

في المخازن

في الأسواق

في الصيدليات والمتاجر

ليس تفتيشًا دوريًا، بل تفتيشًا يوميًا صارمًا، خاصة في زمن الحرب والانفلات. وأين حماية المستهلك؟ وأين دورها؟ ولماذا دائمًا تتحرك بعد الكارثة لا قبلها؟

سابعًا: هل السودان مستهدف؟ نعم وبلا تردد

في ظل حرب مفتوحة، واستنزاف للشباب في الميدان، واستهداف واضح لمقدرات الدولة، يصبح إدخال السموم — سواء عمدًا أو بتساهل — جزءًا من حرب قذرة ضد السودان.

من يريد تدمير وطن، يبدأ بالأطفال.

من يريد محو أمة، يبدأ بصحتها.

لذلك، هذا الملف لا يُغلق ببيان، ولا يُهدأ بتصريح، ولا يُنسى مع خبر جديد.

الخلاصة: لن نصمت

ما حدث فضيحة وطنية.

وما لم يحدث بعدها — من محاسبة وشفافية — سيكون أخطر منها.

نريد:

كشفًا كاملًا للحقيقة

إعلانًا رسميًا بالأسماء

محاسبة علنية بلا مجاملات

تشديدًا فوريًا للرقابة

احترامًا لحق المواطن في الحياة

أطفال السودان ليسوا حقل تجارب، ولا وقود إهمال، ولا ضحايا صفقات فاسدة.

ومن يتهاون في هذا الملف، يتهاون في دم الوطن نفسه.

الجمعة ١٦يناير٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

إنقاذ شاب من محاولة انتحار في الثورة

شهد حي الثورة الحارة التاسعة حادثة مروعة اليوم عندما صعد شاب إلى أبراج الضغط العالي مهددا …