‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل قبل الدكتوراه… كان أحمد حسن شلوبة مشروع موقف د.محمد فضل محمد
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

خواطر ابن الفضل قبل الدكتوراه… كان أحمد حسن شلوبة مشروع موقف د.محمد فضل محمد

خواطر ابن الفضل  قبل الدكتوراه… كان أحمد حسن شلوبة مشروع موقف  د.محمد فضل محمد

عرفتُ أحمد حسن شلوبة لا من القراءة، بل من زمن الطلب، حين لم يكن قد نال الدكتوراه، غير أن حضوره العلمي والدعوي كان يسبق الألقاب، ويصنع له مكانته بين الطلاب والأساتذة. عرفته في ثمانينات القرن الماضي معرفةَ معايشةٍ لا سماع، وزمالةً لا عابرة؛ رافقته في الأسفار، وتوثقت بيننا الأيام، حتى صار قريبًا من العائلة، وصديقًا صادقًا لوالدي، وبارًّا بوالدتي – رحمها الله – لا يفتأ يسأل عنها، ولا يتأخر عن ودٍّ أو واجب.

 

لم يكن محبوبًا في محيطنا الأسري فحسب، بل كان محبوبًا عند كل من عرفه؛ لما اتصف به من صدقٍ ووفاء، وحرصٍ على إخوانه، وتواضعٍ لا يتكلّفه، وهي صفات لا تُصنع في القاعات، بل تنبت مع الإيمان والخلق.

 

ومما قد يجهله كثير من هذا الجيل أن شلوبة لم يكن مجرد أستاذ تاريخ لاحقًا في جامعة الإمام الهادي، بل كان من أوائل من صدعوا بالدعوة السلفية في بيئاتٍ لم تكن سهلة ولا مرحِّبة، ليس في قريته وحدها، بل في جامعة الخرطوم نفسها، حين كانت معقلًا للتيارات العلمانية والأفكار الهدامة. في ذلك المناخ الصعب، برز شلوبة رمزًا من رموز الدعوة السلفية، جمع بين رسوخ العلم وقوة الفهم، وامتلك مبكرًا أمهات الكتب، فصار مرجعًا للطلاب في زمنٍ كان فيه العلم المؤصّل نادرًا، والكتاب المحقّق عزيزًا.

 

تميّز بسعة الاطلاع، وقوة الحجة، وصلابة المنطق؛ لا يعرف التردد في الحق، ولا المواربة في الموقف. وكان شديد الصلة بتراث شيخ الإسلام ابن تيمية، – فكان طرحه دعوةً قائمة على التحقيق والبصيرة، لا ترديد شعارات ولا انفعال خطابة.

 

ولعل من أبرز محطاته التي لا تُنسى تصدّيه المبكر لما عُرف بـ«الفكر الجمهوري»، حين كان هذا الفكر ينتشر بقوة في أوساط المثقفين والطلاب، محدثًا بلبلةً فكريةً واسعة. فكان شلوبة – بفضل الله – من أوائل من كشف عواره، وعرّى تناقضاته، وفضحه أمام الطلاب بالحجة والبرهان، لا بالسباب ولا بالتشنيع. فذاع صيته في الجامعة، وصار الطلاب يلتفون حوله، ويرجعون إليه فيما أشكل عليهم، لا سيما في شبهات الجمهوريين.

ولم يكن هذا الجهد سجالًا عابرًا، بل كان – بعد فضل الله عزّ وجل – أحد الأسباب الرئيسة في انحسار الفكر الجمهوري واضمحلاله داخل الوسط الطلابي؛ إذ تهافتت شبهاته أمام النقد العلمي المنهجي، وتراجعت مساحته بعد أن كانت واسعة، وانفضّ عنه كثير ممن كانوا ينجذبون إليه حين افتقر إلى الحجة وسقط أمام المحاججة الرصينة. ولم يكن شلوبة وحده في هذا الميدان، لكنه كان من أوائل من كسروا هيبة ذلك الخطاب، وأسهموا في تحويله من فكرةٍ متداولة إلى قضيةٍ منبوذة علميًا وفكريًا داخل الجامعة، حتى خفت صوته وفقد تأثيره مع مرور الوقت.

ولشدة وضوحه وثباته، قيل عنه – ساخرين أو معجبين – إنه «يحيا وحده ويموت وحده»، وهي عبارة تُنسب لأبي ذر، لكنها في حالته كانت وسامًا لا مثلبة؛ إذ صدع بكلمة التوحيد، ونظّم الندوات، وأقام المعارض الفكرية داخل الجامعة، حتى فُتحت أبوابها للمشايخ والدعاة، من أمثال الشيخ الهدية، والشيخ أبي زيد، وغيرهم، فوجدوا قبولًا واسعًا بين الطلاب.

حتى إن الاتجاه الإسلامي في الجامعة كان يرحّب بهؤلاء المشايخ في صحفه ولوحاته، وتُكتب عبارات من قبيل: «نرحب بالشيخ أبي زيد، واليوم محاضرة عن الفكر الجمهوري»، في مشهدٍ يعكس التحول الذي أحدثه هذا الجهد الدعوي الواعي والمنظّم.

ولا يكتمل الحديث عن شلوبة الا بذكر إخوانه الذين حملوا الراية من بعده بقوة وكانوا رفاق دربه ، من أمثال الشيخ كامل عمر البلال، والدكتور عبد الله التهامي، والشيخ محمود حسن، والدكتور علي أبو؛ فقد تكاملت الجهود، واشتدت السواعد، وازدهرت الجماعة، واتسع أثرها، حتى صار حضورها ملء البصر بعد أن كان محاصرًا ومحدودًا.

الحديث عن هذه القامة يطول، لكن يكفي من القلادة ما يزيّنها، ويكفي من السيرة ما يدلّ على صاحبها. فقد كان أحمد حسن شلوبة – بعد فضل الله عز وجل– نموذجًا للداعية الذي سبق علمُه ألقابَه، وثبت موقفُه قبل أن تُفتح له المنابر، وأسهم في حماية وعي جيلٍ كامل، وترك أثرًا لا تمحوه السنوات، ولا تطمسه التحولات، ولا يُنكره منصف.

‫شاهد أيضًا‬

إلى حاملي البنادق المستأجرة في سراب “القضية”: الوطن أغلى من أوهام القادة

​إلى الشباب الذين حملوا البنادق في أزقة المدن وقرى الأرياف ودارفور وكردفان . ظناً منهم أنه…