‫الرئيسية‬ مقالات حديث الساعة إلهام سالم منصور صمودٌ أسطوريّ لقواتنا المسلحة السودانية… تحيةٌ تليق بعظمة التضحيات والتجِلّة
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

حديث الساعة إلهام سالم منصور صمودٌ أسطوريّ لقواتنا المسلحة السودانية… تحيةٌ تليق بعظمة التضحيات والتجِلّة

حديث الساعة  إلهام سالم منصور  صمودٌ أسطوريّ لقواتنا المسلحة السودانية… تحيةٌ تليق بعظمة التضحيات والتجِلّة

في خضم واحدة من أعقد وأقسى المراحل التي يمر بها السودان في تاريخه الحديث، يتجسّد صمود قواتنا المسلحة السودانية كحقيقة راسخة لا تقبل الجدل، وكعنوانٍ للكرامة الوطنية التي أبت الانكسار، مهما اشتدت النيران وتكاثفت المؤامرات وتعددت جبهات الاستهداف. إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صمود عسكري في ساحات القتال، بل هو صمود دولة، وصمود شعب، وصمود هوية ووطن.

لقد خاضت قواتنا المسلحة حربًا غير تقليدية، حربًا مركّبة الأدوات والأهداف، استُخدمت فيها كل وسائل الضغط: السلاح، والإعلام الموجَّه، والحصار الاقتصادي، والتشويه المتعمّد، ومحاولات بث الفتنة بين مكونات المجتمع، وزرع الشك في نفوس المواطنين. كان الهدف واضحًا: إسقاط الدولة من الداخل، وكسر عمودها الفقري، المتمثل في جيشها الوطني. غير أن حسابات الأعداء اصطدمت بواقع مختلف؛ واقع جيشٍ تشكّل من وجدان هذا الشعب، ويستمد قوته من إيمانه بعدالة قضيته.

إن الصمود الأسطوري الذي قدّمته القوات المسلحة لم يكن وليد لحظة، بل هو امتدادٌ طبيعي لتاريخٍ طويل من النضال الوطني، منذ معارك التحرر الأولى، مرورًا بمحطات الدفاع عن السيادة والحدود، وصولًا إلى هذه المعركة المصيرية التي يتحدد على ضوئها مستقبل السودان كدولة موحّدة مستقلة. ففي كل تلك المراحل، كان الجيش السوداني حاضرًا، يدفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه، دون ضجيج أو منّة، واضعًا الوطن فوق كل اعتبار.

لقد أثبتت هذه الحرب أن القوات المسلحة السودانية ليست مجرد مؤسسة نظامية، بل هي مدرسة للقيم الوطنية: الانضباط، الصبر، الشجاعة، الإخلاص، والتضحية. جنودٌ رابطوا في الميدان لأشهر طويلة، في ظروف قاسية، يواجهون نقص الإمدادات وقسوة الطقس وضغوط الحرب النفسية، ومع ذلك لم تهتز عزيمتهم، ولم تنكسر إرادتهم، لأنهم يدركون أن خلفهم شعبًا يتطلع إليهم كآخر خطوط الدفاع عن الدولة.

وما يزيد هذا الصمود شرفًا وعمقًا، هو هذا الالتفاف الشعبي المتنامي حول القوات المسلحة، التفافٌ لم تصنعه حملات إعلامية، بل صنعته التجربة والوعي والألم المشترك. لقد جرّب المواطن السوداني معنى غياب الدولة، وذاق مرارة الفوضى، فأدرك أن الجيش الوطني ليس طرفًا في صراع سياسي، بل هو صمام الأمان، والضامن لوحدة التراب، والحامي لما تبقى من مؤسسات الدولة. ومن هنا جاءت الثقة المتبادلة، الصامتة أحيانًا، والعميقة دائمًا، بين الشعب وجيشه.

كما لا يمكن إغفال الدور المعنوي الكبير لأسر الشهداء والجرحى، أولئك الذين قدّموا فلذات أكبادهم دون تردد، وهم يدركون أن التضحية، مهما كانت موجعة، هي الطريق الوحيد لحفظ الوطن من الانهيار. فهؤلاء الشهداء لم يسقطوا عبثًا، بل سقطوا وهم يؤدون واجبًا وطنيًا مقدسًا، سيظل محفورًا في ذاكرة السودان، ووصمة عار على جبين كل من تآمر أو صمت أو تواطأ.

إن هذه المرحلة المفصلية تتطلب قراءة واعية للتاريخ والجغرافيا معًا، وتفرض على الجميع – قوى سياسية، ونخبًا، ومجتمعًا – أن تعي أن الخلافات الثانوية، والمزايدات الرخيصة، ومحاولات الاستثمار في الدم السوداني، لا تخدم إلا أعداء الوطن. فالقوات المسلحة، وهي تخوض معركة الدفاع عن الدولة، تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وخطاب وطني مسؤول، يقدّم مصلحة السودان العليا على كل الأجندات الضيقة.

اليوم، ونحن نكتب عن هذا الصمود الأسطوري، لا نكتب مجاملةً ولا انحيازًا أعمى، بل نكتب شهادة حق للتاريخ. نكتب اعترافًا بفضل رجالٍ وقفوا في وجه مشروع الفوضى، وحالوا دون انزلاق البلاد إلى مصيرٍ أشدّ ظلمة. نكتب لأن الصمت في مثل هذه اللحظات خيانة، والكلمة الصادقة جزء من معركة الوعي.

التحية لقواتنا المسلحة السودانية، قيادةً وضباطًا وجنودًا، التحية للمرابطين في كل شبر من أرض الوطن، التحية لأرواح الشهداء الطاهرة، وللجرحى الذين كتبوا بآلامهم معنى الفداء. لهم التجِلّة، ولهم الاحترام، وهم اليوم – كما كانوا دائمًا – سدُّ السودان المنيع، ودرعه الصلب، وعنوان بقائه موحّدًا حرًّا عصيًّا على الانكسار.

 

الاربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦م

‫شاهد أيضًا‬

توضيح مهم صادر من وزارة التموين والتجارة الداخلية المصرية بشأن السودانيين

بيان صادر عن وزارة التموين والتجارة الداخلية: يؤكد المركز الإعلامي لوزارة التموين والتجارة…