‫الرئيسية‬ مقالات أمن الخرطوم حافز العودة
مقالات - يناير 31, 2026

أمن الخرطوم حافز العودة

د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأمن… عظمة القيمة وشرط العودة إلى الخرطوم

يُعدّ الأمن من أعظم النِّعم التي يمتنّ الله بها على عباده، وبدونه تضيع المقاصد، وتتعطل المصالح، وتنهار الأوطان. فالأمن ليس مجرد غياب للخوف، بل هو منظومة متكاملة تحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض، وتؤسس لحياة كريمة مستقرة. ومن هنا، فإن الحديث عن الأمن هو حديث عن الحياة ذاتها، وعن الأمل في العودة، وعن شوق القلوب إلى الخرطوم؛ العاصمة التي كانت ولا تزال رمزًا للتلاقي والحياة والعمل.

لقد قرن القرآن الكريم بين الأمن والرزق، فقال تعالى:

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 3–4].

فالأمن مقدَّم بوصفه أساس الاستقرار، وبدونه لا يستقيم عيش ولا تزدهر حضارة. كما قال سبحانه:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]، دلالةً على أن الأمن ثمرة الإيمان والعدل.

وفي السنة النبوية، يبيّن النبي ﷺ عظمة هذه النعمة بقوله:

«مَن أصبح منكم آمنًا في سِربِه، معافًى في جسده، عنده قوتُ يومِه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها» (رواه الترمذي).

حديث جامع يجعل الأمن في مقدمة مقومات السعادة الإنسانية.

ومن شواهد التاريخ، أن الدول التي رسّخت الأمن سادت وازدهرت، وأن المدن التي فقدته تراجعت مهما امتلكت من موارد. فالاقتصاد لا ينمو بلا أمن، والتعليم لا يستقيم في ظل الخوف، والاستثمار يفرّ من مناطق الاضطراب، والنسيج الاجتماعي يتمزق حين يغيب الاطمئنان.

والخرطوم—بما لها من مكانة في وجدان السودانيين—لا يمكن أن تعود كما نحب ونريد إلا بعودة الأمن الشامل: أمن الطرق والبيوت، أمن المؤسسات والخدمات، وأمن القلوب من الخوف والقلق. إن الرغبة في العودة إلى الخرطوم ليست مجرد حنين، بل حقٌّ مشروع في العيش الآمن، والعمل الكريم، وبناء المستقبل. والعودة المنشودة لا تكون بالاندفاع غير المحسوب، بل بترسيخ أسباب الأمن: وحدة الصف، سيادة القانون، نبذ العنف، وإعلاء قيمة الإنسان.

إننا نريد الخرطوم مدينةً آمنةً جامعة، تستعيد دورها الثقافي والاقتصادي، وتفتح أبوابها لأبنائها ليعودوا إليها مطمئنين. فالأمن مسؤولية جماعية: دولةً ومجتمعًا، فكرًا وسلوكًا. وكل خطوة نحو السلم، وكل كلمة تُطفئ فتنة، وكل جهد لإحياء القانون، هو لبنة في طريق العودة.

ختامًا، نسأل الله أن يديم نعمة الأمن، وأن يعيد الخرطوم وسائر مدن السودان آمنةً مطمئنةً، وأن يجمع القلوب على الحق، ويكتب لأهلها عودة كريمة في ظل سلامٍ دائم واستقرارٍ شامل.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

‫شاهد أيضًا‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…