أزمة “الكشة” في مصر: بين هلع السوشيال ميديا وواقع السلوك الشخصي
أجيال النيل د. سهام موسى

في الآونة الأخيرة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بضجيج واسع وحالة من الذعر حول حملات “الكشة” (الاعتقالات الإدارية) التي تستهدف السودانيين في مصر. انتشرت قصص تقشعر لها الأبدان عن تمزيق الإقامات وتجاهل “الكرت الأصفر” الخاص بالمفوضية، مما خلق حالة من الشلل والخوف لدى أسر تعيش في الأصل ظروفاً استثنائية. لكن، بعيداً عن صخب “الترند”، هل سألنا أنفسنا: لماذا يُقبض على البعض ويُحترم البعض الآخر؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الكرت الأصفر الساري يمنح حامله حماية قانونية، لكن هذه الحماية ليست حصانة ضد المساءلة السلوكية أو الأمنية. نعم، هناك توقيفات، لكنها في الغالب لا تستهدف “الهوية” بقدر ما تستهدف “الوضعية”. عندما تتحول التجمعات السودانية في المقاهي والشوارع إلى بؤر للإزعاج، أو تتحول الحفلات الخاصة إلى ضجيج يقلق راحة الأحياء السكنية، فمن الطبيعي أن تتحرك السلطات.
المجتمع المصري بطبعه مجتمع عملي جداً، حيث يقضي الفرد يومه بين الكد والنوم. لذا، فإن مشهد الشاب الذي يقضي 24 ساعة في الشارع دون عمل واضح، أو يتسكع في الحواري والأزقة، يثير الريبة والشك. هنا لا ينظر إليك رجل الأمن كـ “لاجئ”، بل ينظر إليك كـ “مصدر خطر محتمل” أو عنصر غير منتج يثير القلق في المنطقة.
لا يمكننا لوم السلطات حين ترتاب من مظاهر دخيلة لا تشبه وقار المجتمع السوداني ولا تقاليد المجتمع المضيف. الموضات الغريبة، السلوكيات الفجة، والظهور بمظهر “المنفلت” تجعل منك هدفاً أولياً لأي حملة تفتيش. القاعدة بسيطة: “البس نظيف، خلي شكلك يطمن، وأبعد من مناطق الشبهات”. السلطات المصرية حازمة حتى مع مواطنيها في حالات التجمهر غير المبرر، فكيف بمن هو ضيف على البلاد؟
أخطر ما يواجه السودانيين اليوم ليس “الكشة” في حد ذاتها، بل “هبد” الميديا الذي لا يرحم. تدوينة واحدة غير دقيقة قد تدفع بصاحب مشروع للإغلاق، أو تمنع طالباً من الذهاب لامتحانه، أو تصيب مريضاً بالرعب من الخروج للعلاج.
هناك آلاف السودانيين يعيشون في مصر منذ سنوات، يمارسون حياتهم، يحترمون القوانين، ولم يتعرض لهم أحد بسوء. هؤلاء هم “الكتلة الصامتة” التي تثبت أن الالتزام هو طوق النجاة الحقيقي.
ختاماً: قبل أن تضج الأسافير بالبكاء على قريب تم قبضه، علينا أن نسأل بصدق: أين قُبض عليه؟ وماذا كان يفعل؟ إن الحفاظ على وجودنا الكريم في مصر يتطلب منا قدراً عالياً من المسؤولية الجماعية، واحترام خصوصية المجتمع المضيف، والابتعاد عن ثقافة “الفوضى” التي يروج لها البعض. مصر بلد نظام وقانون، ومن يحترم هذا النظام، يفرض احترامه على الجميع.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





