الصحة في الخرطوم.. إحصاءات مبشرة
من حروفي خالد الفكي سليمان

لم يكن إعلان وزارة الصحة بولاية الخرطوم تشغيل (41) مستشفى و(243) مركزاً صحياً مجرد رقم يُضاف إلى دفاتر الإحصاء، بل رسالة واضحة بأن العاصمة تستعيد تدريجياً نبضها الخدمي، وأن القطاع الصحي يتقدّم الصفوف في معركة التعافي الوطني بعد سنوات الحرب القاسية.
هذا الإنجاز يعكس تحولاً من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى التخطيط المنهجي لإعادة البناء، حيث لم تكتفِ الوزارة بإعادة فتح المرافق العامة، بل اتجهت بخطى مدروسة نحو تشغيل المستشفيات المتخصصة، بما فيها الأنف والأذن والحنجرة، والصحة النفسية، والجلدية، والسكري، وأمراض الصدر، والمخ والأعصاب. وهي خطوة إستراتيجية تعيد التوازن للخدمة الصحية، وتنقلها من معالجة الحالات العامة إلى استعادة منظومة الرعاية التخصصية التي تشكّل العمود الفقري لأي نظام صحي مستقر.
الأهمية الحقيقية لهذا التحرك لا تكمن في عدد المؤسسات العاملة فحسب، بل في المنهج المتكامل الذي تبنته الوزارة: تأمين مصادر الطاقة الكهربائية، إزالة مخلفات الحرب، مسح الألغام، تهيئة البيئة الداخلية، توفير الأثاثات، وتأمين المقار. إنها مقاربة شاملة تعي أن العلاج لا يبدأ من غرفة الطبيب وحدها، بل من بيئة آمنة ونظيفة ومستقرة تُمكّن الكوادر من أداء واجبها، وتعيد الثقة للمواطن.
وتكشف خارطة التوزيع الجغرافي للمستشفيات والمراكز الصحية – بين أم درمان وبحري والخرطوم وشرق النيل وجبل أولياء – عن سعي واضح لتحقيق عدالة الوصول للخدمة، وتقليص الفجوات بين الأطراف والمراكز، وهو ما يُعد مؤشراً مهماً على استعادة الدولة لدورها التنظيمي والتخطيطي في قطاع بالغ الحساسية.
في البعد الإستراتيجي، تمثل هذه الخطوات حجر الأساس لمرحلة “التشغيل بالطاقة القصوى” التي تستهدفها الوزارة خلال العام 2026، وهي مرحلة تتطلب شراكات أوسع مع حكومة الولاية والمديرين التنفيذيين والقطاع الخاص والمنظمات، لضمان استدامة الإمداد الكهربائي، ودعم الموارد البشرية، وتوفير معينات العمل الطبية.
إن ما يجري في الخرطوم اليوم ليس مجرد إعادة فتح مستشفيات، بل إعادة بناء منظومة حياة. فحين تتعافى المرافق الصحية، تستعيد المدينة قدرتها على النهوض، ويسترد المواطن إحساسه بالأمان. ومن هنا، يبرز دور وزارة الصحة كقاطرة للتعافي، تقود العاصمة من ركام الحرب إلى أفق الاستقرار، وتؤكد أن الاستثمار في الصحة هو الاستثمار الأذكى في مستقبل السودان.
khalidfaki77@gmail.com
الفور وعبرة طائر “الدودو”
في سِجلَّاتِ النُّشوءِ والارتقاء، لم تكن مأساةُ “طائرِ الدُّودو” مجردَ فاجعةٍ …




