السودان في عيون شعوب الشرق الأفريقي
ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون

٩-٥-٢٠٢٦
التقيتُ بالطبيب الأوغندي [أنست موكالازي عرفات] في إحدى وزارات الدولة في بلده. وهو الذي تخرج من كلية الصحة العامة بجامعة شندي في الولاية الشمالية بالسودان دفعة ٢٠١٠، وأنا الذي اعتقدتُ أن شعب أوغندا نادراً ما يذهب إلى السودان للدراسة، نظراً لندرة علاقة الانفتاح السوداني مع دول شرق إفريقيا. ومن خلال المؤانسة معه، حكى لي رحلته التعليمية إلى السودان. دخل جامعة شندي وتخرج منها، ثم زاد من سنواته ومكث سنة كاملة أخرى أراد فيها أن يشبع من كرم وطيبة زملائه السودانيين، وتعلم من خلالها الكثير من العادات والتقاليد والمفاهيم السودانية. يتحدث اللهجة السودانية بنسبة كبيرة. يقول إنه تناول الكثير من الوجبات الأسطورية في السودان مثل [الكمونية والكبدة النية وملاح الكول وملاح المرِس]، حتى حبات الجراد المحمر جربها، مع اعترافه بأن الجراد نوع من الحشرات، وعندهم في الوجبات الأوغندية ما يوازي هذه الأكلة، وهي أيضاً نوع من الحشرات الصغيرة الطائرة تشبه صغار الجراد. تعرف الطبيب الأوغندي على معظم مناطق السودان في الشمال بدعوة زيارة من زملائه. وطاف في أرجاء العاصمة الخرطوم ومدينتي بحري وأم درمان، وعرف كل الأحياء والتنوع القبلي الموجود في العاصمة، وتناول احتساء القهوة في شارع النيل، وشرب عصير العرديب والليمون في شوارع السوق العربي، وحتى أبناء دارفور قدموا له دعوة لزيارة مناطق غرب السودان، لكن الزمن لم يسعفه بالتجوال، فأراد العودة إلى بلاده.
وذات مرة سأله أحد زملائه من السودانيين في الجامعة عندما عرف أنه ينتمي إلى شعب دولة أوغندا، وكان الزميل لا يعرف عن جغرافية أوغندا سوى أنها تقع جنوب دولة جنوب السودان. وكان يعتقد، مثل كثيرين من أبناء السودان، أن الدول الأفريقية صغيرة المساحة تعاني الفقر الشديد، بل تجري في عقله خرافات وأساطير بأن المجتمعات هناك لا تزال تعيش وفق عادات العصور القديمة. فقال لصديقه الأوغندي: [طيب، إنتو في يوغندا عندكم بيوت مبنية زي حقنا دا، ولا تسكنو في شنو؟]
فكان الرد درساً في تعديل المفاهيم الخاطئة. أراد أن يجاريه في فهمه، فرد الطبيب أنست قائلاً: [لا، نحن عندنا بيوت فوق الشجر ساكنين فيها]. فسكت الزميل ولم يزد في استفساراته.
وأوغندا في ذلك الزمن كانت تشهد خطوة متقدمة في الحضارة العمرانية مقارنة بدول شرق إفريقيا، وتملك أقوى قانون للاستثمار في أفريقيا، وتعتبر الوجهة الأعلى لتدفق أموال المستثمرين من دول الهند والصومال والصين، وتمتلك أكبر ميناء لاستيراد الأدوية الطبية والمعدات الإلكترونية، ومنه تُصدر إلى بوابتها الشمالية التي تتجه إلى جنوب السودان، وغرباً إلى الكونغو، وجنوباً إلى رواندا، وشرقاً إلى كينيا.
عندما عاد الطبيب إلى بلاده، بدأ بتطبيق بعض العادات والتقاليد التي تعلمها في السودان مع عائلته وأصدقائه في المنطقة. أجبر العائلة عندما يحين وقت الوجبة أن يجتمعوا جميعاً في جلسة واحدة ويتناولوا الطعام معاً، لأن العادة عندهم أن كل فرد من أفراد العائلة يأكل وحده في إناء مخصص. مثلاً، إذا كانت الأسرة تتكون من خمسة أفراد، يوجد في المنزل خمسة أطباق وخمسة أكواب لشرب الماء والشاي وخمس ملاعق طعام. لا يعرفون وجود مطبخ مليء بالأواني الفاخرة موقوفة الاستخدام بالشكل اليومي، وكأنها معروضة للزينة [نيش أواني منزلية] مثل ما عندنا في السودان. وحاول تعليمهم كيفية إعداد الأطعمة السودانية، مثل العصيدة التي يسمونها [الماتوكي]، وتُحضّر من حبات الموز الأخضر، ثم يخلطونها عند الأكل مع لحم البقر أو الدجاج أو السمك، مع خلطة الفول السوداني [الدكوة] وبعض فاكهة الأفوكادو. وهذه وجبة رئيسية يشترك فيها شعب دول شمال أفريقيا.
وفي خضمّ هذه التحوّلات التي طرأت على سلوك الطبيب وثقافته وسط أسرته، شعر أهله بأنه قد تأثّر بالحضارة السودانية، غير أنهم لم يتمكّنوا من مجاراة ما جاء به من عادات وتقاليد جديدة، فعادوا إلى ما ألفوه من أساليب حياتهم.
ويقول الطبيب أنست: لم تمضي سنة واحدة حتى اشتقتُ إلى أصدقائي وزملائي في السودان، وصارت ذكريات الجلسات واللِّمّة، والرحلات الشبابية، وزيارات الأهل في الأعياد، وجلسات البرِش في شهر رمضان.. تراودني يومياً. وكان يتمنى من أعماق قلبه أن تجمعه الأيام بالسودانيين مرة أخرى.
غير أن الأقدار جاءت بما لم يكن في الحسبان، إذ اندلعت حرب الخامس عشر من أبريل، فاضطر كثير من السودانيين إلى اللجوء نحو دول إفريقيا، وكانت أوغندا من أكبر الدول استقبالاً لهم، بما تمتلكه من قوانين تُعنى باللاجئين وتكفل لهم حقوقاً مدنية وقانونية واسعة، تكاد تساوي بينهم وبين مواطنيها، باستثناء حق المشاركة في الانتخابات.
وعندما رأى الطبيب تدفّق السودانيين إلى بلاده، غمرته فرحةٌ ممزوجة بالحزن، فرح لأن أمنيته بلقاء السودانيين قد تحققت، وحزن لأن سبب اللقاء كان الحرب. وتزاحمت في ذهنه تساؤلات مؤلمة:
هل ذاك الشعب الذي عرفته متماسكاً ومتآلفاً قد صار اليوم يتنازع ويقتتل؟ وكيف حال أصدقائي؟ وهل لجأ بعضهم إلى هنا؟ وماذا عن ذاك الزميل الذي سألني يوماً عن بيوت أوغندا؟ كيف يرى اليوم ما كنتُ أُجيب به؟
وفي ختام حديثنا، طلب مني أن أدلّه على أماكن تواجد أبناء مدينة شندي في العاصمة كمبالا. فأخبرته أن السودانيين هناك يتجمّعون في عمارة تجارية كبيرة أطلقوا عليها اسم [عمارة صندل]، نسبةً إلى مكتب وكالة السفر والسياحة الذي يمتلكه رجل الأعمال والخيري والمساعد لأهل دولته الشاب [نصرالدين صندل]، بينما العمارة يُعرف اسمها الرسمي بـ[نومبا كوبوا]، أي [البيت الكبير] باللغة الأوغندية.
وقد تحوّلت هذه العمارة إلى ما يشبه وطناً مصغّراً للسودانيين، تجتمع فيه روابطهم الاجتماعية والتجارية، حتى صار يُقال: إذا وجدت سودانياً مقيماً في كمبالا، وغاب أسبوعاً كاملاً دون أن يتردد إلى عمارة صندل.. فاعلم أنه إمّا عاد إلى السودان، أو غاب في ظروف غامضة، أو وجد طريقه إلى بلاد الغرب.
إن هذا الطبيب ليس إلا نموذجاً واحداً من شعب أوغندا ارتبط بالسودان علماً ومعايشة، فشاركنا الحياة وبلادنا في زمن السِّلم، ونحن اليوم نشاركهم الوجدان والسكن وبلادنا في زمن الحرب. وهناك كثيرون غيره نهلوا من العلم في السودان، ذلك البلد الذي استحق أن يُوصف بـ[معلّم الشعوب].
وفي ختام لقائنا، وعدني الطبيب بأنه يصلي من أجلنا، ويظلّ يدعو الله أن يحفظ السودان من الفتن والحروب، وأن يعود شعبه الكريم إلى دياره آمناً مطمئناً، كما عرفه يوماً.
وطن تحت النار.. وجيش يحرس الحلم
ثمة أوطان تدخل الحرب فتنكسر، وثمة أوطان تعبر النار لتكتشف حقيقتها. والسودان لم يكن يخوض مع…





