وطن تحت النار.. وجيش يحرس الحلم
د. الشاذلي عبداللطيف

ثمة أوطان تدخل الحرب فتنكسر، وثمة أوطان تعبر النار لتكتشف حقيقتها. والسودان لم يكن يخوض معركة سلاح فقط، بل كان يخوض معركة وجود؛ معركة بين دولة تحاول أن تبقى، وفوضى تريد أن تبتلع التاريخ والجغرافيا معًا.
في الخرطوم، كان الدخان يرتفع كأنه يكتب مرثية مدينة عظيمة، وكان النيل يمر صامتًا كحكيم قديم رأى سقوط الممالك من قبل. البيوت موصدة بالخوف، والشوارع التي كانت تضج بالحياة صارت تحفظ وقع الخطى المرتبكة والرصاص. ومع ذلك، لم ينطفئ السودان.
فكلما ظن الخراب أنه انتصر، خرج من بين الركام جندي يحرس العلم، وأم تشعل الضوء في بيت نصفه مهدّم، وطفل يرسم وطنًا كاملًا على جدار مكسور. هناك، وسط النار، كان السودان يعيد اكتشاف نفسه؛ لا كأرض فقط، بل كفكرة أكبر من الحرب، وأعمق من الخراب.
“العدالة هي أن يؤدي كل شيء وظيفته دون أن يطغى على غيره.”
وكأن أفلاطون كان يكتب لوطن مثل السودان؛ وطن عرف طويلًا كيف يعيش على المحبة الفطرية، لكنه اكتشف متأخرًا أن المحبة وحدها لا تكفي إذا غابت الدولة. فالحروب لا تبدأ يوم تطلق الرصاصة الأولى، بل تبدأ يوم يشعر الناس أن الوطن لم يعد يتسع للجميع، ويوم يصبح الاختلاف مشروع خوف لا مشروع حياة.
في أيام الخراب، ظهر وجه السودان الحقيقي. ظهر في الجنود الذين وقفوا على حدود التعب، لا لأن الحرب سهلة، بل لأن سقوط الدولة أصعب من الموت نفسه. كان الجيش، بالنسبة لكثير من الناس، آخر الجدران التي تمنع الفوضى من ابتلاع البلاد. الجندي الذي لم ينم ليلته، وكان يعرف أن خلفه مدينة كاملة تحاول أن تبقى حية.
“الحرب أم الأشياء.”
ولم يكن هرقليطس يقصد أنها جميلة، بل أنها تكشف معادن البشر كما تكشف النار معدن الحديد. ولهذا كشفت الحرب السودانية رجالًا حملوا الوطن فوق أكتافهم في الوقت الذي كان الخراب يطرق كل باب.
لكن الأوطان لا تعيش بالبندقية وحدها، وكان لا بد أن تظهر فكرة أخرى تقاتل إلى جانب السلاح: فكرة الأمل. ومن هنا جاءت حكومة الأمل؛ لا كحكومة تعد الناس بالفردوس، بل كمحاولة لإعادة الروح إلى وطن أرهقته الخسارات. فالناس بعد الحرب لا يريدون خطابات طويلة، بل يريدون أشياء بسيطة جدًا: أن يعود الضوء إلى البيوت، وأن تفتح المدارس أبوابها، وأن يسمع الطفل الألعاب بدل الانفجارات.
“مهمة الدولة ليست أن تجعل الناس يخافون القانون، بل أن يحبوا العدالة.”
ولهذا فإن أصعب ما بعد الحرب ليس ترميم الجدران، بل ترميم الثقة. الثقة التي انهارت حين صار الأخ يخاف أخاه، وحين تحولت بعض الشوارع إلى ذاكرة من دخان.
لكن السودان، رغم كل شيء، يشبه الأشجار العتيقة على ضفة النيل؛ تنحني للعاصفة لكنها لا تنكسر. وفي أم درمان، حيث تختلط الحكايات القديمة بصوت المساجد وقت الغروب، كان الناس يعودون ببطء إلى الحياة، كأنهم يقولون للحرب: لقد أخذت ما يكفي.
“الأمل حلم اليقظة.”
وربما كان السودان، بعد كل هذا الألم، يحاول أخيرًا أن يستيقظ. فالأوطان العظيمة ليست تلك التي لا تسقط أبدًا، بل تلك التي تعرف كيف تنهض بعد السقوط. والسودان، هذا البلد الذي يشبه دعاء الأمهات وقت الفجر، يبدو اليوم كمن خرج من النار متعبًا، لكنه ما زال يحمل في قلبه مكانًا يتسع للحياة.
عندما تصبح الثرثرة وظيفة
الشتات الهائمون علي وجوههم وراء الحدود والواحلون في مستنقع الضياع، يحتاجون للإستفادة من طا…





