‫الرئيسية‬ مقالات يكتب:هدنــةٌ تُنقِذُ الميليشيات أم تُنقِذُ السودان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫5 أيام مضت‬

يكتب:هدنــةٌ تُنقِذُ الميليشيات أم تُنقِذُ السودان؟

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

يكتب:هدنــةٌ تُنقِذُ الميليشيات أم تُنقِذُ السودان؟

تعيش الساحة السودانية لحظة فارقة بعد سلسلة من التقدّمات الميدانية التي حقّقها الجيش السوداني في عدد من الجبهات، ما أعاد رسم موازين القوى وفتح باب الأسئلة حول مواقف الأطراف الإقليمية والدولية من مسار الصراع. وفي خضم هذا التحوّل، برزت دعوة حكومة أبوظبي إلى “هدنةٍ إنسانيّةٍ فوريّةٍ وغيرِ مشروطةٍ”، وهي دعوة أثارت موجةً واسعةً من الجدل، ليس بسبب مضمونها الإنساني الظاهري، بل بسبب توقيتها ودلالاته السياسية.

ففي الوقت الذي يرى فيه كثيرون أنّ الهدنة الإنسانية مطلبٌ مشروعٌ في أي نزاع، يذهب آخرون إلى أنّ توقيت هذه الدعوة لا يمكن فصله عن الواقع الميداني الذي يشهد تراجعاً واضحاً للميليشيات المسلّحة، ما يجعل الهدنة ـ في نظرهم ـ طوق نجاةٍ يُمنَح للقوى التي بدأت تفقد مواقعها وتلفظ أنفاسها الأخيرة. ويعتبر هؤلاء أنّ أي وقفٍ لإطلاق النار في هذه اللحظة تحديدًا سيمنح تلك المجموعات فرصةً لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدرتها على القتال، وهو ما يطيل أمد الحرب بدل أن يقرّب نهايتها.

ويستند هذا الطرح إلى قراءةٍ سياسيةٍ ترى أنّ بعض القوى الإقليمية لم تُخفِ يوماً انحيازها أو دعمها لأطرافٍ بعينها داخل المشهد السوداني، سواء عبر التمويل أو التسليح أو توفير الغطاء السياسي. ومن هذا المنظور، تبدو الدعوة إلى هدنةٍ “غير مشروطةٍ” وكأنها محاولةٌ لفرملة التقدّم العسكري للجيش، ومنح الميليشيات فرصةً لالتقاط الأنفاس بعد سلسلة خسائر متلاحقة.

في المقابل، يصرّ قطاع واسع من السودانيين على أنّ السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقّق إلا بعد إنهاء حالة التمرّد ، وأنّ أي تسويةٍ تُبنى على موازين قوى مختلّة ستعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها. أنّ السودان لا يحتاج إلى هدنةٍ تُنقذ الميليشيات، بل إلى حسمٍ يعيد للدولة هيبتها ويضع حداً لدوامة الفوضى التي أنهكت البلاد.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة أنّ السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق: إمّا أن يمضي نحو استعادة الدولة عبر حسمٍ عسكريٍّ يراه البعض ضرورةً وطنية، أو أن يدخل في مسار هدنةٍ قد تُطيل الصراع وتُعقّد المشهد أكثر. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب السوداني هو الطرف الأكثر تضرّراً، وهو الذي يدفع ثمن كل تأخيرٍ في الوصول إلى حلٍّ أو حسم عسكري يضمن وحدة البلاد واستقرارها.

إنّ الدعوات الدولية والإقليمية للتهدئة ليست جديدة، لكنّ الجديد هو توقيتها ودلالاتها. فالسودان اليوم ليس كما كان قبل أشهر، وموازين القوى تغيّرت، والشارع بات أكثر وعياً بما يجري خلف الكواليس. ولذلك، فإنّ أي مبادرةٍ تُطرَح اليوم ستخضع لتمحيصٍ شديد، ولن تُقبَل إلا إذا كانت تخدم مصلحة السودان، لا مصلحة الأطراف التي تبحث عن حماية وكلائها أو إعادة تدوير نفوذها.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل الهدنة المقترحة خطوةٌ نحو سلامٍ حقيقيّ، أم محاولةٌ لوقف انهيار الميليشيات وإعادة تمكينها؟ الإجابة ستتضح مع تطوّر الأحداث، لكنّ المؤكّد أنّ السودان لن يقبل سلاماً هشاً، ولا تسويةً تُبنى على حساب أمنه واستقراره وسيادته.
meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

سفير يجدد يجدد رفض السودان لأي دور للإمارات في جهود تحقيق السلام بالبلاد

جدد سفير السودان لدى النمسا، السفير مجدي أحمد مفضل رفض السودان لأي دور للإمارات في جهود تح…