التراث الثقافي السوداني في عصر الذكاء الاصطناعي: خارطة طريق للإنقاذ والخلود
شيء للوطن م.صلاح غريبة

Ghariba2013@gmail.com
بين جنبات مكتبة مصر العامة بالدقي، وفي أروقة المؤتمر الدولي الثاني حول “الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في علوم وإدارة وحماية التراث الثقافي”، لم تكن النقاشات مجرد ترف فكري أو استعراض تقني، بل كانت بمثابة “طوق نجاة” رقمي يُطرح في وقت تعاني فيه الهويات الثقافية من مهددات الاندثار والنسيان. وبالنظر إلى الواقع الراهن للتراث الثقافي السوداني، وما يواجهه من تحديات جسيمة ومخاطر تهدد آثاره ومخطوطاته وتراثه اللامادي، فإن مخرجات هذا المؤتمر تمثل “روشتة” عاجلة وضرورية لإعادة إحياء وحماية الذاكرة السودانية.
إن أبرز توصيات المؤتمر بضرورة “تدشين منصة متكاملة للمواد التراثية” هي الأولوية القصوى التي يحتاجها التراث السوداني اليوم. إن إنشاء منصة رقمية شاملة تستخدم الذكاء الاصطناعي لجمع الصور، التسجيلات الصوتية، الأفلام الوثائقية، والأرشيفات السودانية المبعثرة، وربطها بنظام معلومات جغرافي (GIS)، سيتيح توثيق المواقع الأثرية من مروي إلى سواكن، وحماية المخطوطات والتقاليد الشفهية من الضياع. هذه المنصة لن تكون مجرد مخزن، بل ستصبح مرجعاً تعليمياً وسياحياً يعيد تقديم السودان للعالم بصورة عصرية.
لقد ركز المؤتمر على استخدام “نماذج التنبؤ بالمخاطر” للتعامل مع الكوارث التي تهدد المواقع التراثية. والسودان، ببيئته الجغرافية وتحدياته المناخية من فيضانات وسيول، في أمسّ الحاجة لتبني هذه التقنيات. إن استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد التغيرات في المواقع الأثرية والتنبؤ بالأخطار قبل وقوعها يمنح الجهات المعنية فرصة للتدخل الاستباقي وحماية ما لا يمكن تعويضه.
في ظل الفوضى الرقمية، برزت توصية المؤتمر بوضع “ميثاق أخلاقي” تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضرورة أخلاقية وحضارية. بالنسبة للتراث السوداني، تكمن أهمية هذه التوصية في منع “تزوير أو تزييف” التاريخ والهوية، وضمان أن المحتوى الرقمي الذي يُنتج عن السودان يتم بمراجعة خبراء الآثار والتراث، بعيداً عن الانحيازات أو التحريفات التي قد تفرزها الخوارزميات غير المنضبطة.
لم يغفل المؤتمر الجانب البشري، حيث شدد على “بناء القدرات والتدريب”. إننا بحاجة ماسة إلى تكوين مجموعات عمل سودانية تضم باحثين وتقنيين يتخصصون في “العلوم البينية” التي تجمع بين علم الآثار والبرمجيات. إن تدريب الشباب السوداني على تقنيات “الواقع المختلط” و”السرد القصصي الرقمي” داخل المتاحف سيسهم في ربط الأجيال الصاعدة بهويتها، ويحول التراث من “أحجار صامتة” إلى “قصص حية” تتفاعل معها العقول.
ختاماً، إن تطبيق توصيات هذا المؤتمر ليس مجرد إجراء فني، بل هو استثمار في “اقتصاديات التراث”. فمن خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية والسياحة الرقمية، يمكن للتراث السوداني أن يكون رافداً اقتصادياً يسهم في التنمية المستدامة للمجتمعات المحلية.
لقد وضع مؤتمر “مستقبل مصر” وشركاؤه من المؤسسات العلمية حجر الزاوية لمستقبل حماية التراث الإنساني. والكرة الآن في ملعب المؤسسات الثقافية السودانية والمجتمع المدني لالتقاط هذه القفازات التقنية، وتحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس يحمي “إرث النيل” من عاديات الزمن، ويمنحه الخلود في الفضاء الرقمي.
مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة تحدد فترة تسجيل الشهادة السودانية
القاهرة : ارام خلف الله مصطفي اعلن مدير مدرسة الصداقة السودانية د.عبد المحمود النور ان الي…





