‫الرئيسية‬ مقالات ما أشبه الليلة بالبارحة: تجريم السودان طريقًا إلى السلطة
مقالات - ‫‫‫‏‫9 ساعات مضت‬

ما أشبه الليلة بالبارحة: تجريم السودان طريقًا إلى السلطة

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

ما أشبه الليلة بالبارحة: تجريم السودان طريقًا إلى السلطة

ما يفعله اليوم خالد سلك ليس نشاطًا سياسيًا عاديًا، ولا حراكًا دبلوماسيًا بريئًا، بل جولة منظّمة في عواصم أوروبا لتجريم السودان، عبر الترويج لادعاءات خطيرة تتعلق باستخدام أسلحة كيميائية، دون سند من قرار أممي، أو تقرير دولي معتمد، أو إدانة صادرة عن أي منظمة عالمية ذات مصداقية. إنها محاولة صريحة لوضع الدولة السودانية كلها في قفص الاتهام، لا من أجل إنصاف الضحايا، بل لاستدعاء الحصار كوسيلة ضغط سياسي.

 

وهذا السلوك لا يمكن فصله عن منطقٍ قديمٍ يعرفه السودانيون جيدًا: الاستقواء بالخارج حين يفشل الداخل. فحين تعجز بعض القوى عن الوصول إلى الحكم عبر الإرادة الشعبية، تلجأ إلى طريقٍ مختصر، مفروشٍ بالعقوبات والتجريم والحصار، غير عابئةٍ بالثمن الذي يدفعه المواطن.

وهنا تحديدًا، تعود الذاكرة إلى الوراء. فما أشبه الليلة بالبارحة. فقبل سنوات، قام وزير خارجية حكومة حمدوك، عمر قمر الدين، بمخاطبة الكونغرس الأمريكي داعيًا إلى تصنيف السودان دولةً راعيةً للإرهاب. لم يكن ذلك تحليلًا سياسيًا، بل دعوة مباشرة كان لها أثر فعلي في تكريس الحصار واستمراره.والنتيجة معروفة: عانى الشعب السوداني من الحصار لأكثر من ثلاثين عامًا. ثلاثون عامًا من الجوع، وشحّ الدواء، وانهيار العملة، وتراجع التعليم والخدمات، وعزلةٍ خانقة دفعت ثمنها الأسر الفقيرة قبل أي نظام سياسي. كان الحصار عقوبة جماعية، لم تفرّق بين حكومة ومعارضة، ولا بين مسؤول ومواطن.

قيل يومها إن العقوبات ستُسقط النظام، فسقط النظام بالفعل، لكن الحصار لم يسقط. بل بقي شبحًا يطارد البلاد، حتى إن القوى نفسها التي جاءت إلى الحكم اكتوت بناره، واضطرت لاحقًا إلى دفع ملايين الدولارات من أموال الشعب السوداني لفك بعض قيوده، في قضية تفجيرات نيروبي، رغم أن المحاكم الأمريكية برّأت الحكومة السودانية من تلك الجريمة. وهكذا انكشف الوهم الكبير: الخارج لا يمنح خلاصًا مجانيًا، والحصار لا ينتهي بسقوط الأنظمة.

 

واليوم، يعيد خالد سلك المنهج ذاته: اتهام الدولة، وتدويل الأزمة، واستدعاء العقوبات، تحت لافتات جديدة. لكن الجوهر واحد: تجويع الشعب مقابل السلطة. ومن يحاصر شعبه ليحكمه، لا يمكن أن يدّعي الوطنية، ولا أن يزعم تمثيل الناس.

إنّ من لم يعتذر عن ثلاثين عامًا من حصار السودانيين، ثم عاد ليستدعي الحصار مرة أخرى، إنما يعلن إفلاسه الأخلاقي قبل السياسي. فالعقوبات قد تُسقط نظامًا، لكنها تدمّر شعبًا، وتترك جراحًا لا تمحوها المؤتمرات ولا التصريحات.

 

ولقد تعلّم السودانيون الدرس القاسي: الطريق إلى الحكم الذي يمر عبر السفارات لا ينتهي عند كرامة الوطن. ومن يجعل الجوع سياسة، والحصار أداة، والتجريم وسيلة، يسقط في وجدان الشعب قبل أن يسقط أي خصم.

وتبقى لعنات الضعفاء—الذين ذاقوا الأمرّين تحت الحصار—أصدق شهادة، وأبقى من كل تحالفٍ خارجي، ومن كل جولةٍ في عواصم أوروبا.

‫شاهد أيضًا‬

مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة تحدد فترة تسجيل الشهادة السودانية 

القاهرة : ارام خلف الله مصطفي اعلن مدير مدرسة الصداقة السودانية د.عبد المحمود النور ان الي…