‫الرئيسية‬ مقالات البرلمان.. بين الشرعية والسياسة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

البرلمان.. بين الشرعية والسياسة

وجه الحقيقة  إبراهيم شقلاوي

البرلمان.. بين الشرعية والسياسة

لم تعد الدولة تواجه حربًا وجودية فحسب، بل حربًا على معناها ومؤسساتها وحقها في تمثيل شعبها. فغياب البرلمان منذ عام 2019 لم يكن مجرد فراغ تشريعي، بل ثغرة استراتيجية نُفِذت منها الانقسامات الداخلية، ونشطت عبرها الضغوط الإقليمية، إلى جانب الابتزاز الدولي، حتى بات القرار الوطني معلّقًا بين المنابر الخارجية وتحديات الحرب الداخلية.

في هذا السياق، جاء اللقاء الذي جمع الرئيس البرهان بالقوى السياسية في بورتسودان يناير الماضي، والذي ضم قيادات الكتلة الديمقراطية، تنسيقية القوى الوطنية، وتحالف الحراك الوطني، ليعيد طرح السؤال المؤجل: كيف تُستعاد الدولة عندما تسبقها البنادق، وتغيب عنها المؤسسات؟ الرسالة التي حملها اللقاء كانت واضحة: القوة العسكرية وحدها لا تصنع دولة، وأن الشرعية لا تُستعاد إلا عبر مؤسسات تمثل الشعب وتحمي قراراته.

ومن هنا يُفهم طلب رئيس مجلس السيادة قائد الجيش من القوى السياسية تقديم تصوراتها حول تشكيل المجلس التشريعي ومواقيته، بوصفه تحركًا لإعادة إنتاج السلطة الشرعية، وحماية القرار الوطني من الارتهان.

غير أن هذا التحرك فتح الباب بالأمس أمام اصطفاف بيانات متزامنة من قوى وأحزاب وكيانات مختلفة، لم تعكس مجرد اختلاف في الرؤى، بل كشفت عن معركة سياسية مكتومة حول من يملك حق تمثيل السودان في مرحلة ما بعد الحرب. فقد أصدر الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بيانًا سياسيًا موسعًا حذّر فيه من اختطاف المشهد عبر برلمان بالتعيين دون تشاور واسع، وطالب بإدارة المرحلة بروح وطنية جامعة.

وفي المقابل، أكدت قوى الحراك الوطني ضرورة قيام المجلس كاستحقاق لاستكمال مؤسسات الانتقال. وفي الاتجاه ذاته، عبّر حزب المستقبل للإصلاح والتنمية، عن أن تشكيل المجلس يمثل استحقاقًا سياسيًا عاجلًا لإنجاح الانتقال، شرط أن يتم على قاعدة التوافق الوطني الواسع، وبمعايير عادلة وشفافة. كما أعلن تجمع القوى الوطنية، دعمه لتوجه رئيس مجلس السيادة، معتبرًا أن تعطيل البرلمان سابقًا كان خوفًا من المحاسبة، بينما كشف مني أركو مناوي عن تشكيل لجنة لوضع تصورات لتكوينه، في إشارة واضحة إلى سعي أطراف اتفاق جوبا للتموضع داخل المعادلة وبرزت الكتلة الديمقراطية بوصفها أحد الفاعلين في الدفع نحو هذا المسار.

هذا التدافع في إصدار البيانات أعاد إنتاج منطق “الكتلة” لا منطق “الدولة”، ورفع منسوب الابتزاز السياسي، بحيث بات البرلمان — قبل أن يولد — رهينة لتوازنات النفوذ والسلاح، بدل أن يكون أداة لفتح أفق وطني جديد.

لقد كان قيام البرلمان استحقاقًا أصيلًا منذ الوثيقة الدستورية الأولى في أغسطس 2019، ثم أُعيد التأكيد عليه في تعديلها لعام 2025، حيث حُددت تركيبته وسقف عضويته وضمانات تمثيل أطراف السلام والمرأة. ومع ذلك ظل هذا الاستحقاق معلقًا بين لجان تُعلن ثم تختفي، وتوازنات تُدار من وراء الستار، فيما استمر مجلسا السيادة والوزراء في ممارسة سلطة تشريعية مؤقتة لا تملك عمق التمثيل ولا حصانة الشرعية الكافية.

وهكذا تراكم مأزق مزدوج: داخلي يتجلى في غياب الرقابة والمساءلة، وخارجي يتمثل في انفتاح الباب أمام تدخلات تسعى لتشكيل القرار الوطني في دولة خارجة من حرب، لا تُبنى الشرعية بالاصطفاف، بل بتوسيع قاعدة المشاركة. إن البرلمان المرتقب، إذا ما أُنجز بتمثيل واسع ومتوازن، يمكن أن يتحول من مجرد هيئة انتقالية إلى جدار سيادي، تتكئ عليه القيادة في مواجهة الابتزاز، وتستند إليه في اتخاذ قرارات الحرب والسلم معا.

وهنا يتبدّى الفارق بين شعب يعيش الحرب بكل قسوتها، ويريد وقفها لأنه يكتوي بنارها يوميًا، وبين شبكات خطاب تتحدث باسمه من المنافي دون أن تدفع ثمنها. فالبرلمان هو الأداة الوحيدة لتنظيم هذا الصوت الداخلي، وترجمته إلى إرادة سياسية واضحة، بحيث لا تُنسب قرارات المصير إلى أفراد أو جماعات، بل تُتخذ باسم إجماع وطني يمنحها الشرعية اللازمة.

غير أن الطريق إلى الدولة لا يكتمل بالبرلمان وحده. فالسودان يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يربط المواطن بالدولة، ويحدد خطوطًا واضحة بين السلطة والمجتمع، ويحوّل المؤسسات إلى آليات لحماية الحقوق الوطنية.

ويجب أن يشمل هذا المشروع تمكين مؤسسات الدولة كافة من الجيش إلى الشرطة إلى القضاء، إلي النخب مع إشراك فاعل للمجتمع في صنع القرار السياسي، بحيث تصبح الدولة منصة للسلام والتنمية، لا مجرد أداة للسلطة.

في المقابل، تشكل هذه المرحلة فرصة غير مسبوقة لإعادة هندسة الدولة. البرلمان الانتقالي، إذا ما تم اختياره وفق معايير واضحة وموضوعية، يمكن أن يكون نقطة انطلاق لإعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية. التركيز على التمثيل الإقليمي والمجتمعي، مع اختيار شخصيات مؤهلة علميًا وعمليًا من مختلف التخصصات، يضمن أن يتحول البرلمان من أداة سياسية إلى جهاز رقابي يُسهم في استقرار الدولة ويعزز الشرعية الوطنية.

بحسب #وجه_الحقيقة ، فإن البرلمان بين الشرعية والسياسة العمود الفقري لاستعادة الدولة السودانية وبناء مؤسساتها الوطنية. هو ليس مجرد هيئة تشريعية، بل منصة لترجمة إرادة الشعب إلى قرارات حقيقية، وحصن يحمي السيادة الوطنية من الفوضى والابتزاز الخارجي، وجسر يربط المواطن بالدولة بعد سنوات من الفراغ والصراع. تمثيله الواسع والمتوازن يحوّل الانتصارات العسكرية إلى دولة فعّالة ومستقرة، ويؤسس لانتقال سياسي حقيقي، حيث يصبح البرلمان جوهر البناء الوطني ومظلّة السيادة التي تجمع كل السودانيين تحت سقف الدولة الحقيقية.

دمتم بخير وعافية.

الاثنين 9 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

أثر الصراع علي النسيج الاجتماعي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ فالأمن والاستقرار…