لماذا لايستلهم السودان مشروع النهضة الماليزية مالك بن نبي – مهاتير
السفير.رشاد فراج الطيب

في سؤال النهضة، لا يكفي أن نمتلك الموارد ، ولا أن نُكثر من الشعارات ، بل أن نُحسن قراءة علل التخلف وشروط الخروج منه .
وبين مالك بن نبي المفكر الحضاري ، ومهاتير محمد رجل الدولة ، تتجلى صورة متكاملة للنهضة ، فكرٌ يُشخِّص ، وسلطةٌ تُنفِّذ .
وعلى ضوء هذا التقاطع ، يبرز السؤال المؤلم ، لماذا عجز السودان عن إنتاج “مهاتير” خاص به ، رغم وفرة الموارد الطبيعية وغير الطبيعية ؟
لقد انطلق مالك بن نبي من تشخيص جذري للأزمة الحضارية في العالم الإسلامي ، حين رفض اختزال التخلف في الفقر أو الاستعمار ، واعتبره بالأساس عطبًا في الإنسان قبل أن يكون نقصًا في الإمكانات . فالحضارة ، في نظره ، ليست نتاج الثروة وحدها ، بل ثمرة تفاعل حيّ بين الإنسان والتراب والوقت ، ضمن منظومة قيم فعّالة .
وحين تختل هذه المنظومة ، تتحول الموارد إلى عبء ، ويغدو الزمن مهدرًا ، ويصبح الإنسان معطَّل الإرادة .
أما مهاتير محمد ، فقد واجه واقعًا لا يقل تعقيدًا في ماليزيا من الواقع السوداني بل يتشابه معه : مجتمع متعدد الأعراق والاجناس ، واللغات والاديان ، إرث استعماري ثقيل ، فجوة معرفية ، وتبعية اقتصادية . لكنه ، بخلاف كثيرين ، لم يكتفِ بلعن الاستعمار أو استدعاء الماضي ، بل نقل سؤال النهضة من مجال التنظير إلى ساحة القرار السياسي واستلهم شروط النهضة كما حددها مالك بن نبي .
آمن بأن الدولة لا تُبنى بالخطابة ، بل بالانضباط ، وبأن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق إلا بامتلاك أدوات العصر دون التفريط في الهوية.
يلتقي الرجلان عند نقطة مركزية ، بناء الإنسان هو المدخل الإجباري للنهضة .
مالك بن نبي دعا إلى تحرير العقل من القابلية للاستعمار ، وإحياء قيمة العمل ، واحترام الوقت ، وربط الدين بالفعل الحضاري لا بالطقوس الجامدة .
ومهاتير محمد ترجم هذه الرؤية إلى سياسات ، تعليم نوعي ، أخلاقيات عمل صارمة ، دولة قانون ، وتوظيف ذكي للتكنولوجيا الغربية دون الوقوع في التبعية الثقافية .
لم يعادِ الغرب ، لكنه رفض وصايته . ولم يتخلَّ عن الإسلام ، لكنه حرّره من الاستخدام التبريري للفشل واستلهمه كقوة دافعة للنهوض .
من هنا ، يمكن القول إن مهاتير كان تجسيدًا عمليًا لمالك بن نبي .
فالأول كتب شروط النهضة ، والثاني اختبرها على أرض الواقع .
وعند إسقاط هذا النموذج على السودان ، تتضح المفارقة المؤلمة .
فالسودان بلد يفيض بالموارد الطبيعية ، أرض زراعية شاسعة ، مياه ، ثروات معدنية ، موقع استراتيجي ، وتنوع بشري وثقافي فريد .
أما الموارد “ غير الطبيعية ” من رأس مال اجتماعي ، وتدين فطري ، وروح تضامن فهي حاضرة كذلك .
ومع ذلك ، ظل مشروع النهضة معطَّلًا .
السبب الجوهري لا يكمن في نقص الموارد ، بل في غياب المشروع النهضوي .
فالسودان لم يفشل لأنه فقير ، بل لأنه لم يُحسن إدارة ثرواته حتي أصبحت مطمعا للأعداء .
ولم يتعثر بسبب المؤامرات وحدها ، بل بسبب أزماته الداخلية ، وتفكك في الرؤية ، وصراع نخب حول السلطة لا حول بناء الدولة .
وهنا تتجلى مقولة مالك بن نبي بأقسى صورها : حين يغيب الإنسان الفاعل ، تتحول الثروة إلى لعنة.
كما أن الدولة السودانية ، في تجاربها المتعاقبة ، لم تُنتج مشروعا كمشروع مهاتير لأن البيئة السياسية نفسها كانت طاردة لأي مشروع إصلاحي طويل النفس .
التقلبات السياسية ، الحروب الداخلية ، غياب المؤسسية وسيادة القانون ، وتقديم الولاء على الكفاءة ، وسوء الإدارة كلها عوامل قتلت فكرة “ نهضة الدولة ” قبل أن تولد .
فمهاتير لم يكن معجزة فردية ، بل نتاج منظومة سمحت له أن يخطئ ويصيب ، أن يخطط ويُحاسَب ، وأن يحكم برؤية لا بردود أفعال .
وفوق ذلك ، ظل الخطاب العام في السودان أسير ثنائية قاتلة ، إمّا جلد الذات بلا أفق ، أو تبرئة كاملة تُحمِّل الخارج كل الأوزار .
وفي الحالتين ، غاب السؤال العملي الذي طرحه مهاتير ، وسبق إليه مالك بن نبي وهو ماذا نفعل نحن هنا والآن ، بالإنسان المتاح والموارد المتاحة والزمن المتبقي ؟
إن عجز السودان عن إنتاج مشروع كمشروع “مهاتير” ليس قدرًا ، بل نتيجة تراكمية لاختلال الفكر والممارسة معًا .
فالنهضة لا تستورد جاهزة ، ولا تُفرض بالشعارات ، بل تُصنع حين تلتقي الفكرة الصحيحة بالإرادة السياسية الناجزة ، وحين يتحول الوعي الحضاري إلى برنامج عمل .
وخلاصة القول ،
مالك بن نبي علّمنا أن النهضة تبدأ من الداخل ، ومهاتير محمد أثبت أن هذا الداخل يمكن تحويله إلى دولة ناجحة .
وبين التنظير والتنفيذ ، وبين الفكرة والسلطة ، يقف السودان اليوم أمام امتحانه التاريخي ، إما أن يعيد الاعتبار للإنسان والمشروع ، أو يظل بلد الإمكانات المهدورة والفرص الضائعة .
الخرطوم تتعافى.. إجراء أول عملية جراحية بمستشفى أمبدة النموذجي بعد تأهيله
شهد مستشفى امبدة النموذجي إجراء أول عملية جراحية من نوعها عقب اكتمال أعمال التأهيل والتحدي…





