‫الرئيسية‬ مقالات مدراء إعلام الوزراء والولاة… بين واجب التسهيل وعائق البيروقراطية
مقالات - ‫‫‫‏‫13 ساعة مضت‬

مدراء إعلام الوزراء والولاة… بين واجب التسهيل وعائق البيروقراطية

حديث الساعة الهام سالم منصور

مدراء إعلام الوزراء والولاة… بين واجب التسهيل وعائق البيروقراطية

حين نكتب عن الإعلام الوطني في معركة الكرامة، فإننا لا نكتب عن دور ثانوي أو هامشي، بل عن جبهة متقدمة حملت الكلمة كما يحمل الجندي سلاحه، ودافعت عن وعي الأمة كما يدافع المقاتل عن أرضه. لقد أثبت الصحفي السوداني، مرة بعد أخرى، أنه صاحب رسالة لا تنكسر أمام الأزمات، ولا تتراجع أمام الظروف القاهرة مهما اشتدت.

الصحافة السودانية مرت بمحطات صعبة منذ سنوات طويلة، منذ زمن الصحف الورقية والصراع السياسي الذي أحاط بالمؤسسات الإعلامية، حيث كانت الملكية أحياناً مرتبطة بالتيارات الحزبية أو المصالح الخاصة. ومع ذلك ظل الصحفي المهني يؤدي دوره بإخلاص، محافظاً على شعلة الحقيقة رغم الضغوط والتحديات.

ثم جاءت جائحة كورونا، فأغلقت أبواب كثيرة، وتوقفت الصحف الورقية، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية، ليجد الصحفي نفسه أمام واقع جديد قاسٍ، بلا موارد ثابتة ولا ضمانات مهنية. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى اندلعت الحرب، فازدادت المعاناة، ونزح الصحفيون وتشردوا، وتعرض بعضهم للاعتداء، وفقد آخرون مصادر رزقهم بالكامل. ومع ذلك لم يسقط القلم من أيديهم، بل ظلوا ينقلون الصورة ويؤدون رسالتهم الوطنية بإيمان راسخ.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح إن الصحفي السوداني ظل لسنوات يعمل بلا رواتب ثابتة، يتحمل مسؤوليات أسرية ومعيشية كبيرة، في وقت تُعتبر فيه الصحافة حول العالم سلطة رابعة وصاحبة الجلالة، تُمنح الاحترام والتقدير لما تؤديه من دور رقابي وتنويري.

ومن هنا تأتي رسالتي المباشرة إلى السادة مدراء الإعلام في الوزارات المختلفة ومكاتب الولاة: إن دوركم ليس وضع الحواجز بين الصحفي والمسؤول، بل بناء جسور التواصل. مهمتكم ليست التعقيد، بل التيسير. فالصحفي لا يأتي ليُربك العمل الحكومي، بل ليعكسه وينقله للرأي العام بشفافية ومسؤولية.

للأسف، يواجه كثير من الصحفيين جداراً بيروقراطياً صلباً، وتعاملات متشددة، وإجراءات تعرقل الوصول للمعلومة أو اللقاء بالمسؤول. بعض مدراء الإعلام تحولوا إلى ما يشبه “الترس الخرساني” الذي يقف بين الصحفي والحقيقة، فيفقد المسؤول بدوره فرصة التواصل المباشر مع المجتمع عبر الإعلام.

والأمر الأكثر إيلاماً أن الصحفي، حتى عندما يأتي بمهمة واضحة أو قضية عامة تهم المواطن، قد يجد الأبواب مغلقة، أو يُقابل بتجاهل غير مبرر، بينما يفترض أن يكون الإعلام الحكومي نموذجاً في الانفتاح والتعاون. وحين ينجح الصحفي في الوصول للمسؤول، يظهر أحياناً أن الصورة لم تُنقل كاملة بسبب الحواجز التي وضعتها إدارات الإعلام.

وهنا أبعث بتحية صادقة لبعض الوزراء والولاة الذين يدركون قيمة الصحفي، ويعاملونه باحترام، ويقدمون له التسهيلات اللازمة لإنجاز مهامه المهنية والإنسانية، بما يحفظ كرامته ويعزز الشراكة بين الدولة والإعلام. هؤلاء المسؤولون يدركون أن الإعلام ليس خصماً بل شريكاً في بناء الوطن.

إن الصحفي لا يسعى لامتيازات خاصة، ولا يأتي بحثاً عن مكاسب شخصية، بل يؤدي رسالة وطنية نبيلة. هو صوت المواطن، ومرآة المجتمع، وناقل الحقيقة مهما كانت صعبة. لذلك فإن تعطيل عمله هو تعطيل لتدفق المعلومة، وإضعاف لثقة المجتمع في المؤسسات.

وعليه، فإن المرحلة القادمة تتطلب إعادة تعريف دور إدارات الإعلام الحكومي، بحيث تكون منصات تسهيل وتنسيق لا بوابات منع وتعقيد. المطلوب هو سياسات واضحة تضمن حق الوصول للمعلومة، وجدولة لقاءات الصحفيين بشفافية، واحترام الوقت والجهد الذي يبذله الصحفي في ظروف بالغة الصعوبة.

فالدولة التي تحترم إعلامها تحترم نفسها، والحكومة التي تفتح أبوابها للصحافة تكسب ثقة شعبها. أما إغلاق الأبواب فلن يحجب الحقيقة، بل يؤخر ظهورها فقط.

إن معركة الكرامة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت أيضاً معركة وعي وإعلام. والصحفيون كانوا وما زالوا في مقدمة الصفوف، يحملون مسؤولية تاريخية تستحق الدعم لا التعقيد، والتقدير لا التهميش.

ختاماً، أقول للسادة مدراء الإعلام: اجعلوا من مواقعكم جسوراً لا جدراناً، ومن مهامكم خدمة الحقيقة لا تعطيلها. فالإعلام القوي يصنع دولة قوية، والصحافة الحرة الواعية هي الضمانة الحقيقية لمستقبل أكثر وعياً واستقراراً للسودان.

 

الخميس ١٢فبرلير٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

قحت: التجربة والفشل (الحلقة الأولى)

البدايات والآمال الكبرى   حين اندلعت ثورة ديسمبر من العام ألفين وثمانية عشر، كان الشا…